سيدخل المشاهد العربي في خضم حرب إعلامية تفرضها مصالح الغرب ويؤكدها نجاح المحطات العربية في أداء رسالتها الإعلامية بكل اقتدار

جاء في وسائل الإعلام في اليومين الماضيين خبر مفاده أن شركة البي بي سي البريطانية تفكر في انشاء قناة تلفزيونية باللغة العربية، وتناقل المحللون هذا الخبر من خلال أوضاع الإعلام الدولي اليوم مركزين على محاولة فهم الأسباب والتوقيت. ولاشك أن مثل هذا القرار الإعلامي والسياسي الصادر عن بريطانيا مؤداه الدخول في حلبة الصراع الإعلامي الذي فرضته عوامل كثيرة من بينها المصالح السياسية والاقتصادية من جهة وقوة الإعلام العربي الموجه إلى العالم العربي من جهة أخرى.

فلقد شعرت وسائل الإعلام الغربية وخاصة الأمريكية والبريطانية بالأثر الكبير الذي تتركه الفضائيات العربية الجديدة على المجتمع العربي بخلاف ما توقعه المتخصصون الغربيون، وبادرت نحو ايجاد الحلول لمواجهة هذا التأثير. ومن جانب آخر فلقد فشلت وسائل الإعلام الغربية التي وصفت نفسها بأنها حرة ولا تتأثر بالضغوط السياسية، وخاصة عندما انبرت بعض وسائل الإعلام الأمريكية للدفاع عن الاحتلال والأعمال العسكرية واظهار الرؤى الخاطئة وتزييف الحقائق واخفاء بعض الأحداث والمعلومات بحجة عدم الاضرار بمصالح الولايات المتحدة متجاهلة أخلاقيات المهنة والمسئولية أمام المواطنين.

لاشك أن هذه العوامل وغيرها دفعت شركة البي بي سي إلى العمل على بث قناة فضائية خاصة بها باللغة العربية لتأخذ مزيداً من النصيب في سوق الإعلام في العالم العربي ولتزاحم القنوات العربية التي لا تقل عن القنوات الغربية تنظيماً وتأثيراً. وعلى الرغم من أن البي بي سي هي من أقرب المحطات الأجنبية للمستمع العربي، وبالرغم من نزاهة معظم برامجها وتحليلاتها ومواقفها، إلا أن هذا القرار ربما يضع علامة استفهام حول السبب والهدف والتوقيت!؟

ويعود بنا هذا القرار أيضاً إلى تلك المرحلة التاريخية التي شهدت سباقاً في مجال الإعلام الغربي الموجه إلى المستمعين العرب. ففي عام 1934م قررت ايطاليا انشاء محطة "راديو باري" باللغة العربية من أجل ايصال التأثير الايطالي إلى المنطقة العربية ومنافسة بريطانيا وفرنسا. وسخرت ايطاليا "راديو باري" للهجوم على السياسة البريطانية والفرنسية في المنطقة العربية، ولتقديم الرؤية الايطالية المغرية للمستمعين العرب من باب الخداع وممارسة تحقيق المصالح. وتشير الوثائق إلى أن "راديو باري" ركز في حملته الدعائية للسياسة الايطالية على مهاجمة مواقف بريطانيا وفرنسا تجاه القومية العربية وقضية فلسطين. وكان أسلوب الراديو الايطالي العربي يتسم بالدعاية والتمويه واستخدام التعبيرات الكبيرة والمبالغات الواضحة.

ولمواجهة محطة "راديو باري" الايطالية هذه قررت الحكومةالبريطانية تأسيس محطة البي بي سي العربية في لندن وذلك في عام 1938م لتعمل على تقديم الرؤية البريطانية وتتولى دحض المزاعم الايطالية الإعلامية. واستمرت محطة البي بي سي إلى يومنا هذا وأصبحت تحتل مكانة كبيرة في نفوس الكثيرين من المستعمين العرب بسبب نجاح خطتها الإعلامية والتزام الحياد في الغالب في جوانب عديدة وتنوع برامجها الجادة وعلاقتها المتواصلة بالمستمعين العرب سواء عن طريق المحطة العربية أو مطبوعاتها مثل مجلة "المستمع العربي" و"هنا لندن". بينما انتهت محطة "راديو باري" بعد سنوات قليلة من البدء في بثها خاصة بعد هزيمة ايطاليا في الحرب العالمية الثانية.

ومن الدول التي استخدمت سلاح الإعلام الاذاعي ألمانيا في عهد الدولة النازية التي أنشأت محطة "برلين" باللغة العربية واختارت لها "يونس بحري" ليصبح مذيعها الرئيس بصوته المعروف ونبرته العالية التي رأى الألمان أنها ربما تكون أكثر جذباً للمستمعين العرب. وكذلك لم تدم هذه المحطة طويلاً لأنها هدفت إلى الترويج للنازية وكسب العرب إلى جانبها أثناء الحرب العالمية الثانية. وبسقوط النازيين وانتهاء الحرب العالمية الثانية انتهت هذه المحطة.

هذا السباق الإعلامي الغربي في حلبة العالم العربي استمر إلى اليوم حيث أنشأت الولايات المتحدة محطة "الحرية" التلفازية الموجهة إلى العالم العربي، وقررت بريطانيا اعادة انشاء محطتها التلفازية البي بي بي بالعربية بعد أن ألغت شبكة أوربيت العقد معها منذ سنوات. فياترى لماذا عاد هذا السباق المحموم إلى حلبتنا العربية من جديد؟.

كان في الماضي السباق محصوراً بين القوى الأوروبية نفسها مثل ايطاليا وبريطانيا وألمانيا، بينما اليوم يتحدد السباق بين الغرب والعرب. ولاشك أن انشاء المحطات الغربية باللغة العربية والموجهة إلى العرب هو لمواجهة المحطات العربية الموجهة إلى العرب؟! فهل من الممكن أن يكون السبب هو نقل الحقيقة أو هو نقل رؤية أخرى؟

ويمكن القول بأنه من خلال الرجوع إلى ردود أفعال الحكومتين الأمريكية والبريطانية تجاه المحطات العربية بشأن معالجتها للاحداث ونقلها للحقائق مهما كانت مرة بالنسبة لهم يبدو أن السبب وراء تأسيس مزيد من المحطات الغربية بالعربية هو لايجاد وسائل جديدة تنقل رؤية أخرى مبنية على المصالح الخاصة بالغرب ولكي تزاحم البث العربي القادر والمتمكن. كما يبدو أن فشل محطة "الحرة" الذريع في استقطاب المشاهدين العرب، وتأسيساً على نجاح محطة البي بي سي وتاريخها الطويل أدى إلى اعلان بريطانيا عن نيتها انشاء محطة البي بي سي التلفازية باللغة العربية.

لذا سيدخل المشاهد العربي في خضم حرب إعلامية تفرضها مصالح الغرب ويؤكدها نجاح المحطات العربية في أداء رسالتها الإعلامية بكل اقتدار. كما أن المشاهد العربي سيصبح جزءاً من معادلة الحرب على الإرهاب التي يبدو أن الغرب لم يوفق إلى قيادتها نحو المصادر والأسباب، وانما قيادتها إلى خدمة مصالح أخرى تزيد من رقعة الإرهاب ومسبباته!!!

والله الموفق