أبدع الشاعر الكبير مرشد البذال (ت 1410ه) رحمه اللّه قصيدته التي هي موضوع مقالنا هذا - كما هو واضح من سياقها - في مكان كئيب أسأل اللّه أن لا أقيم فيه أنا ولا أنتم ولا من نحب، هذا المكان هو غرفة الإنعاش في المستشفى، وعندما استمعت لهذه القصيدة لأول مرة انتابني شعور غامض لا يمكنني وصفه، وقد لا أكون مبالغاً إذا قلت بأنه شعور مشابه لشعور الشاعر أثناء إبداعه لهذه القصيدة، ولا أود الإطالة عليكم في مسألة البحث عن ما هية هذا الشعور، بل أترك لكم فرصة استشفافه من خلال القصيدة التي سنستعرض بعض أبياتها في هذا المقال، يقول البذال في مستهل هذه القصيدة:

يا احول أظن الحق جتني طروشه

جتني مطاليبه وأنا عنه منحاش

اليوم كن بداخل الجوف هوشه

ويا اللّه بحسن الخاتمة عند الأقراش

دنياك لو تعطيك زين المعوشه

تالي سوالفها تعود على ماش

ففي هذه الأبيات يخبرنا الشاعر بأن الموت الذي طالما حاول الهرب منه في بدايات حياته قد حاصره بين جدران هذه الغرفة الضيقة، فقد أرسل إليه الموت «طروشه» أو مراسيله/المرض بعد أن تقدم به السن، وذهبت مرحلة الشباب بنشاطه وقوته، ويتضرع إلى اللّه بأن يلطف بحاله، ويخبرنا الشاعر أيضاً في البيت الرابع بحتمية التغير والتحول في هذا الدنيا الفانية، ولكننا في الأبيات التالية لا نجده يفعل كما فعل الشاعر المصري أمل دنقل الذي قال في موقف مشابه حينما كان يقيم في غرفة أحد المستشفيات بعد إصابته بمرض السرطان:

في غرف العمليات

كان نقاب الأطباء أبيض

لون المعاطف أبيض

تاج الحكيمات أبيض

لون الأسرة، أربطة الشاش والقطن

قرص المنوم، أنبوبة المصل، كوب اللبن

كل هذا يشيع بقلبي الوهن

كل هذا البياض يذكرني بالكفن!

فالبذال لم يكتف بتأمل البياض الذي يلف المكان، والاستسلام لسوداوية الموقف كما فعل دنقل، بل نجده يحاول محاولته الأخيرة للهرب بذاكرته خارج إطار هذا المكان، محاولاً بذلك الترويح عن نفسه، ومستخدماً في ذلك ما يشبه تكنيك (الارتداد) في الرواية الحديثة، «وهو قطع التسلسل الزمني للأحداث، والعودة من اللحظة الحاضرة إلى بعض الأحداث التي وقعت في الماضي، يقول البذال بعد الأبيات السابقة:

ياما خذينا بأول العمر شوشه

وياما مشينا مع مظاهير وادباش

في خايع وبل الثريا رشوشه

نجني الزبيدي في صحاصيح وادشاش

وياما جلسنا مع مرودع نقوشه

في سهلة ما حدرنا زل وفراش

في وسط روضٍ مخضرات خفوشه

نبته جديد ومبعدينٍ عن الطاش

فكما نلاحظ من خلال هذه الأبيات يهرب البذال بذاكرته إلى الماضي الجميل، مستعرضاً ما يحويه شريط الذكريات من المواقف الجميلة التي عاشها، فيستعيد أيضاً ذكريات فصل الربيع، ذلك الفصل الجميل الذي كان يبعث السعادة في نفسه، ويتيح له لقاء الأحباب والاجتماع معهم، ويرى الدكتور محمد الزير بأن هناك سببين لاستحضار الشاعر صور الماضي المشرقة، أحدهما هو أن هذه الصور «تؤدي للشاعر مهمة حيوية في التعويض عن واقعه المجدب، وحاضره المنطفئ، فالشاعر وهو يردد ذكريات الماضي، ويعيد صياغتها من جديد، إنما يقوم بعملية تعويض نفسي عما يعانيه من لحظة الفقد، والضعف، والتلاشي، والغربة التي يعيش فيها... وكأنما هو بمعايشته للماضي يوقف عجلة الزمن أو هكذا يتراءى له إنه نوع من الانشداد إلى الحياة نفسها، الحياة الماضية والحياة الحاضرة التي يحاول إنعاشها ببعث الماضي فيها من خلال إحساسه ومشاعره.

وبعد استعراض شريط الذكريات، وبعد أن تحدث الشاعر في خمسة أبيات تلت الأبيات السابقة عن صاحبته وعفتها وشرفها، يرتد الشاعر مرة أخرى إلى واقعه الأليم الذي حدثنا عنه في مستهل القصيدة، حيث تقول في آخر أبيات القصيدة:

واليوم مالي مع هل الصيد نوشه

عطيتها غيري بلا سوم ببلاش

عند الطبيب وصار عندي وحوشه

أمن الإقامة صابني خوف واخراش

هالحين شفني قاعدن عقب دوشه

أصلب أعضاي وكن بالجسم هشهاش

خليت ديواني ومجلاس حوشه

اليوم شفني ساكن دار الإنعاش

والنفس ضاقت عقب ما هي بشوشه

مثل المقيم اللي على نو مطراش

فبعد الشباب والقوة والصحة التي رأيناها في المقطع السالف «ياما مشينا مع مظاهير وادباش» تحول حال الشاعر إلى المشيب والضعف والمرض «هالحين شفني قاعد..، وتبدل المكان الواسع الذي كان يجد فيه سعادته «صحاصيح وادشاش، إلى مكان ضيق كئيب «دار الإنعاش، وتبدل أمنه وسعادته التي كان يجدها بقرب الأحباب والاجتماع معهم إلى خوف وحزن يسببهما له عيشه وحيداً بين الأطباء في هذا المستشفى، وتحديداً بين جدران غرفة الإنعاش الضيقة.

وثمة ملاحظة مهمة في هذه القصيدة، وهي أن الشاعر قد تحدث في المقطع الذي يستعيد فيه ذكريات الماضي بصيغة الجماعة: «خذينا، مشينا، نجني، جلسنا، مبعدين، بينما نجده في المقطع الذي يتحدث فيه عن واقعه الحاضر يستخدم صيغة المفرد: عطيتها غيري، صابني خوف، شفني قاعد، خليت ديواني، شفني ساكن، النفس ضاقت..، وكأن الشاعر قد أراد بذلك الإشارة إلى أن السعادة لا يمكن أن تتحقق إلى بالاجتماع، أما الحزن فكثيراً ما يكون فردياً، ولا يكاد يشارك الإنسان في أحزانه إلا القليل من الناس.

ختاماً رحم اللّه الشاعر المبدع مرشد بن سعد البذال، الذي ترك لنا الكثير من الإبداعات في جميع أغراض الشعر، وآمل أن أكون قد وفقت في تقديم هذه القراءة السريعة، كما أرجو أن تتاح لي الفرصة مستقبلاً للعودة إلى بعض إبداعات البذال الشعرية.