من الطبيعي أن نشعر ببعض القلق أو التوتر عندما تضطرنا ظروفنا وأعمالنا إلى أداء مهمة أو قول شيء ما أمام جمع من الناس. هذا التوتر بكمية محدودة قد يدفعنا إلى بذل أفضل طاقاتنا لإرضاء الآخرين والحصول على إعجابهم، لكن الزيادة الكبيرة في مستوى التوتر قد تشل المصاب بهذه المشكلة، وتجعله غير قادر على أداء ما يريد أداءه أمام الآخرين أو قد يجد صعوبة كبيرة إذا حاول ذلك. مثلا قد يشعر بزيادة التعرق ورجفة اليدين وزيادة في ضربات القلب وصعوبة في التنفس. الأسوأ من هذا كله هو إحساسه العميق بأن الاخرين سيُقيِّمونه بشكل سلبي وسينتقدونه بطريقة يصعب عليه تحملها.

إذكر إماما لأحد المساجد شرح لي معاناته في إمامة الصلاة وإحساسه العالي بالتوتر قبلها، خصوصا عند أداء الصلوات الجهرية مثل صلاة العشاء. هذه المشكلة اليومية أدت به إلى الاعتذار المتكرر عن بعض هذه الصلوات أو محاولة تخفيض صوته قدر الإمكان حتى لاينتبه الآخرون، حسب اعتقاده، لصوته الخائف. وذكر لي شاب مقبل على الزواج أن يفكر في تأجيل زواجه لأه لن يتحمل القلق المرتبط بوقوفه أمام الناس في قصر الأفراح وكون الاهتمام منصبا عليه في تلك الليلة. ومثال آخر لمهندس يعمل في شركة مرموقة لم يستطع تحمل القلق الناتج عن وقوفه أمام مجلس الإدارة لتقديم موجز لمشاريع قام بتخطيطها أو لتقديم بعض أفكاره الجديدة لهم، مما أدى إلى به إلى ركود وظيفي رغم مهاراته العقلية العالية.

أسباب الرهاب الإجتماعي متنوعة وتتراوح بين الاستعداد الوراثي وضعف الثقة بالنفس الناتج عن التربية القائمة على اللوم والتوبيخ المبالغ فيه. ورغم أن الكثيرين يتعرضون لمثل هذا النمط التربوي الا أن البعض فقط يعاني من الرهاب الاجتماعي لأن طبيعة الإنسان الشخصية، ممثلة بقابليته للتخوف من الأشخاص والمواقف الجديدة، تجعله أكثر عرضه للرهاب الإجتماعي في حال توفرت الظروف التربوية السابق ذكرها. وكأمراض نفسية كثيرة يمثل الرهاب الإجتماعي نتاجا لقابلية طبيعية تظهرها ظروف بيئية معينة وهذه القابلية تتفاوت من شخص لآخر الا أنها أحيانا تتركز في عائلة معينة.

يلجأ الطبيب النفسي إلى الاعتماد على الأدوية أو العلاج النفسي أو خليط من كليهما لعلاج الرهاب الإجتماعي وذلك اعتمادا على عوامل عديدة. من الأدوية المعروفة لعلاج الرهاب الاجتماعي دواء سيروكسات وبروزاك وفافرين وهي تقوم بزيادة نشاط ناقل عصبي يسمى السيروتونين، إلا أن الاستفادة من هذه الأدوية يتطلب صبرا لأ مفعولها يظهر بعد عدة أسابيع من الاستعمال وقد تختفي الفوائد المكتسبة عند التوقف عن استعمالها. يلجأ آخرون إلى استعمال أدوية تعطي إحساسا بالراحة خلال فترة ساعة أو ساعتين مثل دواء آنديرال الذي يقوم بتخفيف ضربات القلب والرجفة أو بعض الأدوية المهدئة التي لاتصرف إلا بوصفات طبية خاصة. أما من يفضل الابتعاد عن الأدوية فقد يناسبه الخضوع لجلسات العلاج السلوكي المعرفي، وهو أحد انواع العلاج النفسي التي أثبت فعالية واضحة في علاج الرهاب واستمرار الفائدة لفترات طويلة حتى بعد انتهاء الجلسات العلاجية، علما بأن المريض يحتاج في المتوسط 12 - 16 جلسة علاجية للحصول على الفائدة المرجوة. هذا النوع من العلاج يقدمه عادة أخصائي نفسي مؤهل يستطيع تصميم برنامج علاجي يناسب الاحتياجات الفردية لكل مريض علي حدة.

٭استشاري الأمراض النفسية