كان لتوجيه خادم الحرمين الشريفين بإنشاء مصرف الإنماء بالغ الأثر لدى المواطنين واستقبلوه بترحاب شديد وسعادة غامرة لما سيكون له من دور كبير في دعم الاقتصاد الوطني، وإن هذا البنك سيسهم في إذكاء جذوة المنافسة بين البنوك التجارية لتطوير خدماتها وتحسين مستواها والرقي بها إلى المستوى المنشود، كما أن لأمره الكريم بان يكون رأس مال البنك خمسة عشر ملياراً يطرح منها 70 في المائة للاكتتاب العام مزايا اقتصادية مهمة، فهذا دليل على شعور القيادة الحكيمة بأهمية تحسين دخل المواطنين ورفع مستواهم المعيشي وهو نوع من توزيع الثروة بين المواطنين وتعويدهم على الاستثمار والادخار وذلك بتوجيه مدخراتهم واستثمارها بحيث تدر عليهم عائداً سنوياً يساعدهم على التغلب على صعوبات الحياة وظروفها، وأغلب الدول المتقدمة تشجع مواطنيها على الاستثمار طويل الاجل بحيث يستثمرون مدخراتهم في شركات جيدة وذات عائد مجز ويحذرونهم من التداول اليومي إلا للخبراء والمحترفين أو عن طريق شركات وساطة تدير صناديق الاستثمار بطريقة مهنية متوازنة.

ولكن إذا أخذنا في الاعتبار ضخامة رأس مال هذا المصرف وهو خمسة عشر ملياراً وهو مبلغ كبير بكل المعايير وسيكون أكبر مصرف في المملكة العربية السعودية وفي منطقة الشرق الأوسط بل إن هذا البنك سيكون أكبر من مصرف الراجحي والبنك الهولندي والعربي والاستثمار مجتمعة فإنه سيحتاج إلى بناء إدارة قوية وكوادر بشرية مؤهلة وجهاز مصرفي قادر على استيعاب المستجدات وتوجيهها لخدمة هذا المصرف الجديد، ولاشك أن هذا المصرف سيجد دعماً قوياً لا محدوداً من حكومة خادم الحرمين الشريفين حتى يقف على قدميه ويباشر نشاطاته ويدخل مجال المنافسة مع البنوك التجارية الاخرى، إلا أن هذا البنك سيأخذ وقتا طويلاً قبل أن يبدأ في توزيع الارباح على المساهمين بل إن ذلك قد يستغرق سنين عديدة.

وإذا كان يؤمل أن يكتتب في هذا البنك الجديد حوالي ثمانية أو تسعة ملايين مواطن وأن الهدف هواستفادتهم من الاكتتاب وتحقيق الارباح السنوية التي سيجنونها وسيلة لتحسين مدخراتهم وزيادة دخلهم بل واستثمارها في شركات اخرى فإنني أخشى أن يمضي وقت ليس بالقصير قبل أن يبدأ هذا المصرف في توزيع أرباح سنوية وهذا ولا شك ليس ما تهدف إليه حكومة خادم الحرمين الشريفين من إنشاء هذا المصرف ولا يحقق الغاية السامية التي تقصدها من طرحه للاكتتاب للمواطنين بل إن البدء في تحقيق الأرباح ومن ثم توزيعها يخضع لمتغيرات كثيرة وهي في علم الغيب ولا يعلمها إلا الله.

ولثقتي التامة من حرص خادم الحرمين الشريفين واهتمامه لحماية صغار المستثمرين حيث ظهر ذلك جلياً وواضحاً لكل متابع لما جرى في سوق الأسهم في الأونة الأخيرة، فإنني أرى تأجيل الاكتتاب في هذا البنك حتى اكتمال سنوات تأسيسه واكتمال إدارته وبناء جهازه المصرفي ويطرح بديلاً عنه للاكتتاب البنك الاهلي والذي يملك صندوق الاستثمارات العامة 80 بالمائة من رأس ماله.

فالبنك الأهلي مكتمل النمو متعدد الفروع يحقق أرباحاً سنوية ولديه إدارة فاعلة ومستقرة وهناك توجه جدي لدى البنك بإخضاع جميع عملياته إلى هيئة الرقابة الشرعية. ومع البدء في تجزئة السهم فان سعر سهم البنك سيكون معقولاً وفي مقدور كل مواطن تملكه. ولاشك في أن ذلك سيخدم شريحة كبيرة من المواطنين ويكون هديتهم من خادم الحرمين الشريفين حيث يبدؤون في استلام أرباحهم السنوية من أول عام للاكتتاب وبدون الدخول في مصير مجهول.

ثم إن البنك الأهلي بحكم تعدد فروعه وانتشارها في كل مدينة وقرية له ارتباط قوي وعلاقة وثيقة بالمواطنين وغالبيتهم لديه تعامل في الوقت الحاضر أو سبق له التعامل مع هذا البنك.

وإذا كان البعض يظن أن رأس مال البنك كبير وأن سعره قد يكون مرتفعاً، فإنه يمكن أن يطرح منه للاكتتاب ما يروي عطش المواطنين وتحتفظ الحكومة بالجزء الباقي لتطرحه للاكتتاب بعد فترة اخرى.

أما إذا كانت وحتى بعد هذه المدة الطويلة من شراء صندوق الاستثمارات العامة للبنك الاهلي لا تزال بعض الإجراءات الروتينية او العقبات التي تحول دون طرحه للاكتتاب العام، فيمكن الاستعاضة عنه بحصة صندوق الاستثمارات العامة في مجموعة سامبا المالية أو بنك الرياض أو حتى شركتي سابك أو الاتصالات السعودية، وإن الأخذ بهذا التوجه مدعاة لاطمئنان المواطنين على مدخراتهم وأنها تحقق لهم عائداً مضموناً وربحا سنوياً يحصلون عليه.

ثم إن الأموال التي ستجنيها الدولة بعد طرح البنك الأهلي أو غيره للاكتتاب العام سيمتص فائضاً كبيراً من السيولة المتوفرة وتعمل على تحقيق التوازن في السوق المالية، كما أنه يمكن تحويل جزء منها لتكون رأس مال لمصرف الانماء تمهيداً لطرحه للاكتتاب العام إذا بدأ في تحقيق الأرباح، كما أنه يمكن استثمار مازاد على ذلك في مشاريع البنى التحتية مثل مشاريع المياه والكهرباء والسكك الحديدية والمطارات ثم إعادة تخصيصها وطرحها للاكتتاب العام متى ثبتت جدواها وبدأت في تحقيق الأرباح، وهكذا دواليك من أجل إتاحة المزيد من الفرص الاستثمارية للمواطنين مستقبلاً.

ولا أحد يشك في حرص خادم الحرمين الشريفين على مصلحة المواطنين وتعميم الفائدة لهم، وأرجو أن تكون وجهة النظر هذه محل دراسة وتحليل لأن استثمارات المواطنين وتوجيه مدخراتهم إلى قنوات استثمارية ثبتت جدواها وتحققت ربحيتها هي محط الاهتمام والعناية.

٭ رئيس مجلس إدارة بنك ساب