صدر عن المركز الثقافي العربي للعام 2005م دراسة أدبية تحمل عنوان «السيرة الذاتية النسائية في الأدب العربي المعاصر» للكاتبة أمل التميمي، إن هذه الدراسة الجديدة والفريدة من نوعها لم يسبق وأن عمل دراسة مثلها للسيرة الذاتية النسائية من قبل في المملكة العربية السعودية، فالكتاب يتكون من مقدمة ومدخل للدراسة وثلاثة فصول وذيل بخاتمة.

ففي المقدمة ذكرت الكاتبة بأن هذا البحث يتناول السيرة الذاتية النسائية في الأدب العربي المعاصر مع تحليل نماذج مختارة. وتنبع أهمية هذا الموضوع من ممارسة المرأة العربية نوعاً من الكتابات النثرية كانت وما تزال إلى حد ما تعد من الكتابات التي تستقبل بشيء من الحذر والحرج في المجتمعات العربية. ومن المعروف أن أهم ما تتسم به السيرة الذاتية هو الجرأة والكشف عن الذات وهما صفتان ليستا مألوفتين في الكتابات العربية وخصوصاً كتابات المرأة.

اختارت التميمي دراستها وبحثها عن السيرة الذاتية النسائية في الأدب العربي المعاصر لسببين جوهريين: الأول لكثرة الأعمال النسائية المنتجة مؤخراً في نطاق السيرة الذاتية، والثاني ندرة الدراسات الأكاديمية لها.

كما تطرقت التميمي في دراستها المحققة تحقيقاً أدبياً جميلاً مسترسلاً لعدد من النساء الشهيرات اللاتي اعترفن بنصوصهن بأنها سيرة ذاتية مع اجماع النقاد على ذلك أيضاً. ومن هؤلاء النساء اللواتي أشارت لهن - الكاتبة - في دراستها هنّ هدى شعراوي، نبوية موسى، عائشة عبدالرحمن (بنت الشاطئ)، زينب الغزالي، فدوى طوقان، نوال السعداوي، ليلى عسيران وليلى العثمان.

إن القارئ للكتاب يجد بين دفتيه ابداعاً أدبياً في سرد النصوص وتحقيقها وترتيبها، اضافة إلى التحليق في سماء معطيات الكتاب تارة والغوص في أعماق البحث تارة اخرى من قبل الكاتبة في حيثيات أدب السيرة الذاتية.

أشير هنا إلى مقال كتبه د. جابر عصفور في جريدة البيان عن مقابلة تمت بينه وبين الكاتبة - التميمي - في القاهرة، حيث قال طرحت عليَّ سؤالاً لم أتوقعه عندما قالت: لماذا لم تذكر سيرة نسائية واحدة في كل ما كتبته عن السيرة الذاتية تطبيقياً ونظرياً؟ لماذا لم تذكر، يا أستاذ، اسم سيرة ذاتية لكاتبة واحدة، أو اسم كاتبة من كاتبات السيرة الذاتية، وهناك منهن عديدات أنت تعرفهن بالتأكيد؟! فقال عصفور.. فاجأني سؤال الباحثة السعودية الذي لم أتوقعه، ولذت بالصمت قليلاً كي أفكر في الملحوظة التي يتضمنها سؤالها، فوجدت الملحوظة صحيحة. فكل ما كتبته عن السيرة الذاتية، وكل ما حاولت تأصيله منها في كتابي (زمن الرواية) مثلاً، يخلو من الاشارة إلى سيرة ذاتية نسائية، كما يخلو من الوقوف عند كاتبة كتبت سيرة ذاتية نسائية، واستغربت هذا الموقف الذي لم أتعمده بالقطع، ولكني انتهيت اليه دون أن أشعر، محكوماً بعوامل كامنة في لا شعوري الثقافي وتكويني اللاواعي. وقلت للباحثة: معك حق في ملاحظتك الصحيحة التي أعترف بأنني لم أفكر فيها من قبل، ولم انتبه اليها إلا مع سؤالك الذي دفعني إلى التفكير فيها، ويدفعني - الآن - إلى مساءلة نفسي عن الدوافع التي دفعتني إلى ذلك. لا فارق بين المرأة والرجل عقلياً أو شعورياً، أو من حيث القدرة على الابداع، كما ان المرأة يمكن أن تتفوق على الرجل في كل مجالات الابداع، ولكن ذلك من الناحية النظرية فحسب، أما الواقع العملي فيضع العراقيل أمام المرأة، ويكبلها بالقيود، فيحول بينها والابداع بالقدر نفسه من شروط التميز والتفوق. بعد ذلك توجهت الباحثة له - عصفور - بسؤال ذكي وقالت؛ وهل المرأة مسئولة عن ذلك؟ وأجاب عصفور بالنفي مؤكداً أن الظلم الواقع على المرأة في مجالات الإبداع لا يختلف كثيراً عن الظلم الواقع عليها في كل مجال، خصوصاً في ثقافتنا العربية، التي لم تعترف بعد للمرأة باستقلالها، وأضفت إلى ذلك أن المسئولية الواقعة على المجتمع في ظلم المرأة، وممارسة أشكال التمييز ضدها، تواجهها مسئولية المرأة نفسها في مواجهة أشكال التمييز، والتمرد على كل ألوان الظلم في كل مجال، والمؤكد أن النساء اللاتي برزن في مجالات الابداع المختلفة هن نساء تمردن على قيودهن، كما تمرد غيرهن على قيود مشابهة في مجالات مغايرة، واقتحمن ما كان محرماً عليهن الدخول فيه، أو البروز في دوائره، أو التفوق على الرجال في ممارساته، ولذلك ما زلنا نذكر ما كتبته فدوى طوقان في سيرتها الذاتية المتميزة، كما لا نزال نذكر أشعار عائشة التيمورية وكتابات مي زيادة وقصص الأجيال المتتابعة من الكاتبات، مروراً بأمثال عائشة عبدالرحمن (بنت الشاطئ) وسهير القلماوي وكوليت خوري وانتهاءً بأجيال أحلام مستغانمي وعلوية صبح وعالية ممدوح ومي التلمساني وميرال الطحاوي وغيرهن. ويبدو أن العوائق العديدة التي واجهت شبيهات الكاتبات اللاتي ذكرتهن. هي التي دفعت بهن إلى كتابة نوع من القصص الذاتي، أو روايات السير الذاتية التي تسعى إلى تعرية المشكلات التي تواجهها البطلة، البطلة التي تكون في أحيان كثيرة قناعاً للكاتبة التي تكتب الرواية.

أعود وأقول إن ما قامت به الكاتبة يعدّ دراسة حديثة معاصرة وحفظت بين ثنايا كتابها إرثاً أدبياً نادراً للسيرة الذاتية النسائية في الأدب العربي المعاصر، يقع الكتاب في (278 صفحة) من القطع المتوسط.