كما هو معروف أن مفهوم (الاستقطاب الحضري) لدى علماء الاجتماع الحضري يعني.. مجموعة الظواهر التي تنشأ في منطقة معينة، تتمتع بميزات جغرافية واقتصادية واجتماعية وإدارية.. بشكل يكسبها خاصيتي (الجذب) و(التأثير) في المناطق المحيطة بها (القابلة للاستقطاب) بحيث تجعلها تتجه إليها دائماً..

وأعتقد ان مدينة (مكة المكرمة) العاصمة المقدسة للمملكة وقبلة العالم الإسلامي تمثل مركز استقطاب حضري لتمتعها بهذه المكانة الدينية التي تفرض علينا استحضار كل وسائل التحضر وجميع الأنشطة الخدمية لخدمة الزوار والمعتمرين والحجيج.. وهذه مهمة حضارية كما هي مهمة دينية متميزة..

ولهذا (من المهم) اتخاذ عدة اعتبارات هامة عند التخطيط الحضري المستقبلي لهذه المدينة ومثلها المدينة المنورة لتميزهما بالمكانة الدينية في افئدة المسلمين جميعاً .. وكما هي معايير اتفق عليها معظم المخططين في هذا السياق الاجتماعي الحضري للمدن في المجتمعات الإسلامية فإنه لابد من الآتي:

  • اعتبار أن المدينة جزء من المجتمع تتكامل مع المدن الأخرى، وترتبط معها ومع القرى والبادية بعلاقات اقتصادية واجتماعية وثقافية.

  • ان التراث الإسلامي والتراث الحضاري عنصران هامان في إحياء التاريخ، وللمدينة في عمرانها ومؤسساتها واحيائها دور في هذا المضمار.. كما انه مهم تطوير مدرسة فكرية عمرانية للمزج بين الأصالة المعمارية الإسلامية وبين أساليب التكنولوجيا العمرانية والمرحلة المعاصرة التي تمر بها المجتمعات الإسلامية.

هذا ما يختص بالتخطيط الحضري المستقبلي للمدن بشكل عام فكيف إذا كان الحديث عن (مكة المكرمة)..

فهذه المدينة ينبغي أن تتميز عن سواها بتخطيطها العمراني وتوفير كافة الأنشطة الخدمية فيها ..

ولابد أن تتميز بقدسيتها حتى في الإعلانات التي تسبق دخولها وفي شوارعها..

ولهذا فوجئت بما نشر في صحيفة عكاظ في يوم الخميس 1425/5/13هـ الموافق 1يوليو 2004م عن مشروع (متنزه مكة الوطني) الذي ستبلغ تكاليف انشائه وتشغيله (2) مليار ريال!! وهو كما ذكر عنه سيكون على غرار (ديزني لاند)!! فهل مدينة مكة المكرمة المقدسة في حاجة إلى مدينة مثل ديزني لاند؟؟ ألا نستطيع أن نخص هذه المدينة بمشاريع أخرى تنموية بعيداً عن (ديزني لاند)؟؟

وكما ذكر أن أمانة العاصمة المقدسة قررت طرح هذا المشروع للقطاع الخاص!! وإنشاء سكة حديدية تربط المشروع بالحرم المكي الشريف!! أعيدوا معي قراءة هذه العبارة (ربط مشروع متنزه على غرار ديزني لاند بالحرم المكي الشريف)!! وقال مدير ادارة الاستثمارات البلدية بالأمانة: انه تم الانتهاء من إعداد كامل المخططات والرسومات والتفاصيل الدقيقة والدراسات الخاصة بالمتنزه الذي سيقام بالقرب من بوابة مكة المكرمة!! الكائن على طريق مكة - جدة السريع على مساحة تزيد على (19) مليون متر مربع!! وتابع ان الاستثمار في هذا المتنزه الترفيهي!! سوف يكون نقلة نوعية في مجال المشاريع السياحية!! حيث سيتم العمل قريباً على تنفيذ البنية التحتية من طرق ومياه وكهرباء وسفلتة في اطار هذا المشروع..

واستطرد قائلاً: سيتم عقد ندوة بمشاركة الشركات السياحية المتخصصة في ادارة القرى والمنتجعات السياحية!! للاستعانة برأيهم لمتطلبات هذا المشروع والذي يتضمن محلات تجارية وترفيهية!! ورياضية!! وبحيرة صناعية ومنتجعات سياحية!! ومدناً للترفيه على غرار (ديزني لاند)!! ومعرضاً إسلامياً - ولم يذكر ماذا يعني بهذا المعرض -؟!

وذكر أن هذا المشروع من المتوقع ان يستقطب أكثر من 400ألف زائر يومياً..

ومع الخبر كانت هناك صورة تخطيطية لهذا المشروع!!

أعتقد ان مدينة مكة المكرمة لمركزها الديني تقع ضمنياً في الاستقطاب الحضري وفق معايير هذا الاستقطاب التي اتفق عليها مخططو المناطق الحضرية..

وهذه المشاريع الترفيهية السياحية لا ينبغي أن تكون في (مدخلها) وتستقبل المسلمين من جميع أنحاء العالم القادمين لأداء العبادات وليس للسياحة والترفيه والمنتجعات الترفيهية والرياضية!!

ولا ننسى ما ذكره العديد من الحجاج من دول غربية بعد أن أسلموا وجاءوا إلى المملكة لأداء فريضة الحج ونشر عنهم تأثرهم مع عدد كبير من المسلمين من دول أخرى بمنظر الإعلان عن مطاعم منتشرة في مدينة مكة المكرمة تحمل الرمز الغربي في مدينة مقدسة..

وليس هذا يعني رفض المطاعم ولكن رفض تغييب خصوصية هذه المدينة ثقافياً ودينياً..

ومن حقنا بصفتنا مواطنين أن يكون لنا (صوت مسموع) تجاه هذا المشروع.. لأنه يخصنا جميعاً.. فكل مدينة لابد أن تحمل خصائص دورها الديني والثقافي..

كما أن هذا المشروع الضخم من سيعمل فيه؟! ألا يعني هذا أن (تجار القرى السياحية) سيمارسون دورهم المعتاد في (إقصاء المواطن واستقدام العمالة غير الوطنية)!! كما هي الحال الآن في معظم المنتجعات السياحية في المملكة!!

كنت أتوقع أن يكون هناك اهتمام أكثر بمنطقة (منى) وجسر الجمرات حتى لا تتكرر مآسي السنوات الماضية.. وكنت أتوقع ان يكون هناك مخططات لشقق نظيفة ورخيصة الثمن ودورات مياه، لآلاف المعتمرين والحجاج بدلاً مما هو متوفر حالياً من دورتي مياه واحدة للرجال وأخرى للنساء بقرب المسجد الحرام لا تكفيان استيعاب هذه الأعداد الكبيرة.. وأن يكون هناك تخطيط حضاري للنقل ووسائله المريحة خصوصاً أن باب العمرة مفتوح طوال العام وهذا يعني وفود مئات الآلاف من المعتمرين بخلاف الحجاج.. فهل ما هو متاح من خدمات حالياً كافٍ؟!

أرجو من المسؤولين عن هذه المدينة الغالية إعادة النظر في هذا المشروع ونقله بعيداً عن العاصمة المقدسة.. حافظوا على نقاء هذه المدينة ولا تربطوا الحرم المكي بمدن ترفيهية وسياحية!! ومن يرغب الترفيه فمدينة جدة لا تبعد عن الراغب سوى نصف ساعة..

والملياران من الريالات التي ستصرف في إنشاء هذا المشروع وتشغيله يمكن توفيرها لمشاريع أخرى تنموية تخدم المعتمرين والحجاج الباحثين عن أداء العبادات وليس الترفيه!!