من عادتنا كعرب بادية ومدناً، أن تبدأ علاقتنا بالعيش والملح مثلما يقال، أو أن ننهي خصامنا بمأدبة نأكلها، ولنا بذلك شأن كبير، من المناظر التي نشاهدها عبر المسلسلات البدوية أن أي طلب يراد لابد أن يسبقه شرب القهوة لدى المضيف الذي يذهب رجال القبيلة عادة لزيارته، وقد يكون ثمن شرب فنجان من القهوة فتاة تزف لعريس لا تريده، أو صلحاً بين قبيلتين أكل الثأر بينهما.

نحر الذبائح و إقامة المآدب هذه لا تقتصر على المجتمع بدويا كان أم حضرياً، بل الفقراء كما الأغنياء، ومن الأقوال الشهيرة لدينا أطعم "الفم تستحي العين"، وهذا المبدأ مع الأسف نطبقه كثيراً. فما أن يأتي ضيف ألا ونحب أن يرى مدى كرمنا، وقد لا نفهم أو لا نحب أن نفهم أن الآخرين يرون في ذلك أشياء لانراها. وأشياء تسجل ضدنا لا لنا، مثلا نقيم مآدب نبهر الزائر بما يرى من أشياء لم تصنعها يدنا ولكن أيادي غربية أو يابانية وبأقل تقدير كورية.

بعد ذلك يغادر الضيف الكريم مصحوباً بالدعوات الصادقة لتكرار الزيارة الميمونة، ومع ما تجود به الأنفس الكريمة، ثم لا شيء أفرحناه ومتعنا أنفسنا بتشكراته. وقد لا يمضي وقت قصير ألا ونرى صحفه تتحدث بلا هوادة عن حالات هضم حقوق الإنسان أو سوء التنظيم أو التبذير، وعندما نذكره بالعيش والملح، يكون الجواب انهم في بلاد ديمقراطية والإعلام حر بها. ولكن عندما يتعلق الأمر بما يرونه في مصلحة بلادهم يدخل الإعلام الدائرة الحمراء، وتنصب الرقابة سيفها عليه. بل وحتى عمل كل ما في وسعهم ليصمت الاعلام ونغطي الحقائق حباً وكرامة بهم. يحدث هذا مع من نحاول استقطابهم من الإعلاميين.

تذكرت ذلك وأنا عائدة من مشاهدة فيلم "فهرنهايت 11/9"، الذي سلط فيما سلط الضوء على العلاقة بين السعودية، شركات بترول وبين الحزب الجمهوري، وبالأخص آل بوش، كذا نرى لدى الكاتب الفرنسي الشهير "إريك لوران" في كتابه حرب آل بوش، الذي فيه يبين العلاقة الحميمة بين آل بوش وشركات بن لادن، وكأنها يحملان اتجاهاً واحداً. ولكن يتميز "مايكل مور" عن "لوران" بكونه يجعل من الشركات السعودية موجهة للسياسة الجمهورية بل يتمادى. بالشك ببوش الابن فطرح سؤالا "بوش من هو والدك الشعب الأمريكي الذي يدفع لك 700ألف دولار في السنة أم الشركات السعودية التي تحصل من ورائها على مليارات ؟

النقطة الأشد ألماً هي قول "مور" بالفيلم أن استثمارات السعودية في أمريكا تبلغ حوالي 6- 7% من ميزانية أمريكا، وسؤاله ماذا لو سحبت السعودية استثماراتها ؟

وقبل أن أستطرد، دعوني أعد للعيش والملح الذي بنيت عليه مقالي هذا منذ البداية، لقد منح لـ "مور" مخرج الفيلم الوثائقي، سمة دخول للمملكة دون أن يطلبها بمعنى، دعي لها، لكنه رفض ذلك، ورفضه محرج طبعا حسب التقاليد القبلية لدينا فهو رفض شرب فنجان قهوتنا، ولم يبد لنا طلبه أو شرطه لشرب فنجان القهوة.

ولكن هو من وجهة نظره ونظر الديمقراطيين معه أنه على حق، فقد بنى أغلب فيلمه على نقد العلاقة بين الجمهوريين الجدد والشركات السعودية، فكيف يمكن أن يقدم ورقة ضده قد يستعملها الجمهوريون أنفسهم، والثانية : أن فيلمه وثائقي نظمه بالطريقة التي ترضي الفرد الأمريكي، لا شأن له بنا ولا بتصورنا، لذا فهو يرفض المائدة التي نقدمها.

وأنا كمواطنة فرحة أنه لم يقبل الفيزا ولا الدعوة، ما أدرانا لو وجدنا أنفسنا بلقطات أمام العالم وبفيلم وثائقي. ربما كنا نراه يصوره ونحن فرحون، بما فاء الله علينا من نعم، ثم يعرض، كما عرض "بوش"، وهو يقرأ لطلاب الأول الابتدائي بمدرسة بفلوريدا "صديقتي العنزة" بينما الوطن الأمريكي مستباح، هذا ما أظهره "مور" في فيلمه، ومن عنده فسر أن بوش ذاهل لا يدري كيف يتصرف، ويعطي "مور" أفكاراً كأنها تدور في رأس بوش، بينما "مور" يقدم ذرائعه لإدانة بوش، شرد ذهني أنا لمكان آخر بيوم آخر "لأنور السادات وهو في السينما ليلة 52/7/23م ليثبت أن لا دخل له بالضباط الأحرار. لو لم تنجح الثورة" ترى هل كانت الخطة هكذا، شيئاً جاهزاً ومجهزاً كي يصطاد المسلمين والعرب، وتتجه الصواريخ لبلدانهم بدلا من الاتحاد السوفياتي. الذي فكك برعاية إسلامية عربية.

هو العيش والملح الذي لم يثمر بأحد.