يتفق الرحالة الاجانب الذين زاروا مدينة الزلفي، وأعني بمدينة الزلفي الاخدود الأرضي المتجه من الجنوب إلى الشمال بدءاً من محافظة الغاط وحتى نفود الثويرات أو النقل عين جزرة الواقعة على حد الصلب مع النفود، أي بداية اختفاء جبل طويق تحت رمال الثويرات التي تشتمل على العديد من قرى الزلفي أو كما تسمى العقل أو النقر كما يسميها الاقدمون، يتفق الرحالة على ان الزلفي وحدة جغرافية منفردة عن الوحدات الجغرافية المجاورة والاكبر مثل منطقة القصيم في الغرب، ومحافظة المجمعة في الجنوب ومحافظة شقراء في الجنوب الغربي.

ويتفق اولئك الرحالة على أن الزلفي تمثل نقطة الدخول إلى نجد، فمن يعبر منطقة القصيم ويجتاز الرمال التي تتميز بها منطقة القصيم ومنها اخذت اسمها يهبط في اخدود الزلفي، ومنه يصعد في هضبة طويق حيث تبدأ الأرض الصلبة وعبر اوديتها ونقاط الاستيطان مثل سدير والشعيب والمحمل وملهم وحنيفة يصل إلى قلب نجد حيث تقوم مدينة الرياض. وعليه فهي نقطة تجمع تجارة، تلك التجارة التي يتم نقلها في اتجاهات متعددة، ولذا يتفق الرحالة على أن اهل الزلفي تجار مهرة منذ عصور قديمة، ومنهم من انتقل من الزلفي إلى بلدان الخليج، ومنهم من قاد القوافل التجارية، وهذا الشيء يثبته التاريخ المدون الذي تحدث عن قوافل اهل الزلفي والتي بلغت مئات الجمال في بعض الاحيان عاكسة منظراً جميلاً عندما تنتظم امام ناظر القريب والرقيب.

وعلى الرغم من هذه الاهمية في الموقع والدور التاريخي والتجاري لم نجد دراسات اهتمت بهذا البلد، فمن حيث الدراسات الآثارية فتكاد أن تكون معدومة، وهي معدومة بالفعل، وإن كان هناك شيء فهو نتاج موسم مسح واحد نفذته وكالة الآثار والمتاحف ولم تر نتائجه النور بعد. وما عدا ما ذكرت لا يوجد أي عمل اثري انجز بخصوص هذه المحافظة. وما يوجد يقتصر على بضعة اعمال نتجت عن جهود يجب أن تذكر. وفي هذا المجال نذكر كتاب الدكتور عبدالرزاق بن احمد اليوسف المسعود "الزلفي" الذي يمثل الكتاب الثالث عشر في سلسلة هذه بلادنا التي تصدرها الرئاسة العامة لرعاية الشباب، تحدث الدكتور المسعود عن الكثير من المسائل التاريخية والجغرافية والجيولوجية والاجتماعية ذات الصلة بمحافظة الزلفي.

كما أن لنادي طويق في بلدة عقلة جهوداً طيبة في الكتابة عن مدينة الزلفي من خلال مجلة "صدى طويق" التي يصدرها النادي المذكور والتي صدر منها جملة اعداد من ضمنها عدد خصص لمدينة الزلفي خلال مائة عام يتضمن مقالاً للدكتور عبداللطيف بن حمود النافع تطرق فيه إلى نمو مدينة الزلفي خلال مائة عام واستعرض بعضاً مما دونه الرحالة عن المدينة وبخاصة ما كتب هاري سنت جون برديجر فيلبي. كما استخدم الوثائق وتحدث عن سور الزلفي المشيد عام 1947م إلى جانب ايراده معلومات عن البلدتين، الشمالية والجنوبية، والقرى المحيطة، وقد تحدث حمد الجاسر عن عقل الزلفي في مقال نشره في مجلة صدى طويق فيه اورد معلومات حول تاريخها، وهناك رسالة ماجستير انجزها بدر بن محمد الوهيد بعنوان "مدينة الزلفي": دراسة في جغرافية المدن، انجزها في قسم الجغرافيا (كلية العلوم الاجتماعية) جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية 1409هـ، تتضمن معلومات جيدة عن مدينة الزلفي في نقاط متعددة. ويجب علينا أن نذكر جهود الاستاذ المؤرخ فهد الكليب في مؤلفاته عن مدينة الزلفي والتي وثقت العديد من الجوانب التاريخية والاجتماعية والفكرية والثقافية، وفي هذا الاطار تأتي جهود الشيخ الاديب حمود بن محمد النافع في توثيق شعراء الزلفي في سلسلة صدر منها عدة اجزاء وتمثل مصدراً تاريخياً ان يستفاد منه، لأن الشعر يوثق للتاريخ والاجتماع والفكر.

جميع الاعمال التي ذكرت جميلة ومفيدة وفي غاية الاهمية ولكنها لا تفي بحق هذه المحافظة بأي حال من الاحوال. فمحافظة الزلفي موطن استيطان قديم دون أدنى شك فهو عبارة عن فج أو اخدود واسع تحده الرمال من جهة وحافة جبل طويق من الجهة الاخرى، ومن هذه الحافة تنحدر الشعاب العديدة والتي كونت مساقطها اماكن لوجود الانسان في العصور القديمة، وبما تدفعه من مياه الامطار اوجدت اماكن في الاخدود صالحة لاقامة المستوطنات والمزارع الواسعة. وتنتظم هذه الشعبان على الحافة من الجنوب حيث تقوم محافظة الغاط والى عين جزرة في الشمال حيث تدفن الرمال سلسلة جبل طويق وهذا يمثل امتداداً مكانياً يبلغ الخمسين كيلومتراً تقريباً.

ومما لا شك فيه ان في رجالات الزلفي رجالاً أفاضل عُرفوا بالاحسان ساهموا في تقدم محافظتهم ودعموا العديد من مشاريعها الخيرية، وأعرف ان اهل الزلفي كرماء بطبعهم وهي شهادة ادلى بها غيري من العرب والاجانب، محسنون لمدينتهم، وعسى ان نسمع عن مساهمة من اولئك الموسرين الذين هم احفاد من اثنى عليهم الرحالة في دعم عمل علمي يوثق لتاريخ استيطان المحافظة من خلال جمع الدلائل المادية واجراء المسوح الميدانية والتوثيق بالصورة والوصف واستقصاء وجمع وتحليل ما جاء في المؤلفات المتنوعة ومن ضمنها المؤلفات التي ذكرت آنفاً عن تلك البلدة وطرحه بمنهج علمي سليم.