تنتشر في الآونة الأخيرة بين شباب الأمة وفي بعض المناطق من بلادنا ظاهرة إقبال الشباب على تناول الكولونيا والعطور الغربية بما فيها من كحوليات رغم الأضرار الجسدية والنفسية والمادية والاجتماعية والدينية ليس فقط على المجتمع بل وعلى المتعاطين أنفسهم. ففي مجال الصحة يتأثر كثير من أعضاء وأجهزة الجسم تأثراً سلبياً بما تحتويه هذه العطور من مواد سامة ومكسبات رائحة وكحوليات مذيبة تؤدي إلى العديد من الأمراض وإلى الوفاة المفاجئة في بعض الحالات وقد حدث هذا بالفعل.

هذا وتشير الدراسات إلى أن العبرة ليست فقط بنوعية وكمية الكحول والتي يتعاطاها ضحايا هذه السموم ولكن أيضاً بمدة التعاطي والأهم تركيزها في الدم. والنساء أكثر تأثراً من الرجال بالمضاعفات السلبية للكحول، على الرغم من أنهن يستهلكنه بنسب أقل، ففي بحث أجري بجامعة ديوك تبين أن النساء أكثر تعرضاً من الرجال لتشمع الكبد، والأمراض القلبية والإعاقات الذهنية الناتجة عن تناول الكحول فضلاً على تأثيراته السلبية على الحمل والجنين. ولا يتوقف تأثير هذه الظاهرة عند حدود الإضرار بمصالحهم ومجتمعاتهم بل عليهم أن يعلموا هذه الأفعال التي ينكرها الدين والعقل والعرف والتقاليد لا تصب إلا في مصلحة أعداء الله والدين والوطن.

والكحول إن تم استخدامه في الصناعة كحافظ لبعض المواد وكمادة لامتصاص الرطوبة وكمذيب لبعض المواد القلوية والدهنية أو كمطهر للجلد ومذيب لبعض الأدوية التي لا تذوب إلا في الكحول فهو نافع ومفيد. ولكن إن تعطاه الإنسان بالفم تحول إلى سهم يهلك الدين والنفس والعقل والمال والعرض. لذلك نهى الإسلام عن تناول المسكرات ويدخل فيها الكحوليات والمخدرات: «كل مسكر خمر وكل مسكر حرام» ولو بالقدر اليسير «ما قليله مسكر قليله حرام» فتحريم الخمر واضح في القرآن {يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه} (المائدة 90) واعتبر الإسلام الخمور «أم الكبائر». هذا ولم يجرم الإسلام متعاطيها فقط بل يشمل ذلك بائعها وحاملها وساقيها وكل من يساعد على هذا التعاطي سواء كان حقنا أو شربا أو شما. ومبادئ الإسلام اجمالاً تحافظ على هذه الكليات الخمس (الدين والنفس والعقل والمال والعرض) وتحارب كل ما يضرها ويتلفها، وبالتالي فإن اتباع التعاليم الدينية بما في ذلك الامتناع عن المسكرات لكفيل بتوفير سبل الحياة الصحيحة والسعيدة والآمنة للإنسان، وتزداد حاجتنا في هذا العصر إلى الدعوة لهذه التعاليم وإشاعتها وتطبيقها، لا سيما بين جيل الشباب خاصة وأن هذه الأمر إن شاع وانتشر - لا قدر الله - صار مشكلة تستعصى على الحل بعيداً عن القيم الدينية الصحيحة، وصدق الله العظيم إذ يقول: {ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون} (الروم 41).

التسمم بالكولونيا:

وخطورة الكولونيا تكمن في احتوائها على أخطر الكحوليات مثل الايثانول والميثانول وعلى مركزات الرائحة، وغالباً ما يلجأ إلى استخدام الكولونيا الأشخاص غير القادرين على شراء أنواع الكحوليات الأخرى الأقل خطراً والغالية ثمناً، كما أنها رخيصة ومتوفرة في جميع المحلات ويمكن الحصول عليها بسهولة، وللأسف كثير من الذين يتعاطون هذه المواد السامة من أبناء أسر تمر بمشاكل اقتصادية واجتماعية، وهم يلجئون لتناولها تحت تأثير هذه المشاكل جهلاً بآثارها المدمرة. فحالات التسمم قد تؤدي إلى فقدان البصر أو الوفاة وتحدث حسب الكمية المتناولة وتركيزها في الدم، ومن أعراضه قيام المتعاطي بأعمال مخجلة وترنح وقيء وهبوط في مستوى السكر في الدم، وقد ينتهي الأمر إلى دخول المتعاطي في غيبوبة وتحدث الوفاة إذا لم يحدث تدخل علاجي سريع وعند تعاطي 5 جرامات من الكحول النقي لكل كيلوجرام من وزن الجسم. وربما تتشابه حالات التسمم الكحولي مع حالات مرضية أخرى كالتهاب الدماغ الفيروسي وارتفاع ضغط الدم الحاد وانخفاض نسبة السكر بالدم وغيبوبة ارتفاع السكر وإصابات الرأس وبعض ادمان الأفيون ومادة الفينوباربيتون وخطورة كحوليات الكولونيا ليست فقط في حالات التسمم الحاد وآثار الإدمان المزمن بشكل عام ولكنها تحدث أيضاً عند التوقف المفاجئ عن تناول هذه السموم وبعد تعود الجسم عليها ويؤدي ذلك إلى حدوث رعشة في الجسم وغثيان وقيء وزيادة في النبض وعرق بغزارة وحالات هياج أحياناً وهلوسة سمعية أو بصرية أو حسية وأحياناً نوبات صرع وقصور يمكن أن يؤدي إلى توقف القلب. وتبدأ هذه الأعراض الانسحابية في الظهور خلال عدة ساعات وفي بعض الحالات خلال أيام من التوقف عن تعاطي الكحول إذا وصل الشخص إلى مرحلة ادمان الكحول. وتصل نسبة الوفيات في حال التوقف المفاجئ إلى 20٪ من بين متناولي الكحوليات ما لم يتم التوقف تحت إشراف صحي حتى يتخلص جسم المدن من سمومها تدريجياً. ومن الغريب أن هذه الحالات تعالج باعطائهم كحولات بجرعات متدرجة وتركيزات مختلفة وتحت إشراف ومراقبة طبية متخصصة.

من الأضرار الدينية لتعاطي الكحوليات:

ومن الأضرار الدينية لادمان تعاطي هذه السموم الكحولية أنها تصرف عن ذكر الله وعن الصلاة وتضعف الإيمان وتورث الخزي والندامة وتذهب الحياء وتحرم من الرزق وتوقع العداوة والبغضاء بين متعاطيها وتتسبب في زوال النعم وتفسح المجال للمعاصي الأخرى لذا سميت بأم الكبائر.

من الأضرار الاقتصادية لتعاطي الكحوليات:

إن بذل المال في سبيل تعاطي الخمور يؤدي إلى اتلافه وإلى خراب كثير من البيوت كما يورث الفقر والتخلف في ميادين الحضارة ويضعف الإنتاج ويصيب الاقتصاد بالخلل ناهيك عن انشغال المدمن عن الوظائف والأعمال الإنتاجية وزيادة الانفاق الحكومي وعلى المؤسسات والمستشفيات التي ترتبط بمشكلة الإدمان والأموال الباهظة التي تنفق على المكافحة وعلى العلاج.

من الأضرار الاجتماعية لتعاطي الكحوليات:

إضافة ونتيجة إلى الآثار السلبية على صحة واقتصاد المجتمع، يؤدي الادمان إلى دمار الأسرة حيث يزيد العبء الاقتصادي وكذا اهمال الواجبات الأساسية كرعاية الأبناء والزوجة ويسود الأسرة جو من التوتر والشقاق والخلاف وترتفع نسبة الطلاق والعنف والجريمة وتؤكد الإحصاءات في الغرب أن المدمنين على الخمور قد ارتكبوا معظم جرائم القتل العمد والسرقة والشغب والتزوير والجرائم الخبيثة كزنا المحارم وتزداد الحوادث المرورية ويقل الإحساس بالأمان الاجتماعي.

من الأضرار النفسية والعقلية والخلقية لتعاطي الكحوليات:

للادمان آثار وعلامات نفسية وذهنية متعددة نذكر منها اضطراب الادراك الحسي والذاكرة والبطء في التفكير ورد الفعل، وتدفق الأفكار وتنوعها والانتقال المفاجئ السريع من موضوع لآخر، وتشتت الأفكار وضعف التركيز وحصر الانتباه والقابلية للايحاء. كما أنه يؤدي إلى الخمول والبلادة والاهمال وعدم الاكتراث والانطواء الاجتماعي والاحباط. هذا بالإضافة إلى أن المدمن على تعاطي الكحوليات يعتاد صفات وعادات ذميمة كالكذب والاستهانة بالقيم الأخلاقية والمثل العليا وضعف الشعور بالواجب. فمن شبابنا من يرغب أن يكون كذلك؟

فعند تعاطي كميات صغيرة من الكحول يشعر باحساس زائف بالانتعاش والبهجة والقوة وفقدان الإحساس بالرهبة. ونسبة الكحول بالدم إلى مستوى 150٪ يشعر الشخص بإحساس متزايد بفقدان السيطرة وعند مستوى 150-300٪ يظهر بوضوح عدم تناسق الحركة حديث وترنح واكتئاب وبلادة وعند مستوى أعلى من 300٪ يصاب بنوم عميق يؤدي إلى غيبوبة قد تنتهي بالوفاة.

من الأضرار الصحية لتعاطي الكحوليات:

تشكل الكحوليات الأحادية والثنائية 80٪ من محتوى الكولونيا ويعد الكحولين الايثيلي والميثيلي من أهم الكحوليات من حيث التأثير السام. وعند تعاطي المشروبات الكحولية أو الكولونيا يمر حوالي 80٪ من الكحول إلى الامعاء الدقيقة حيث يتم امتصاصه إلى مجرى الدم ثم إلى الكبد حيث يقوم بتحويله إلى اسيتالداهيد أو فورمالدهايد فحمض الاسيتيك «الخليك» أو الفورميك على الترتيب ثم إلى ثاني أكسيد الكربون والماء. وعندما يزيد على هذا المعدل الثابت أو عند هبوط وظائف الكبد ترتفع نسبة الكحوليات في الدم ويحدث التسمم. وعند استمرار هذا الارتفاع لفترات طويلة تحدث أضرار الكحول المزمنة التي لا يكاد ينجو منها عضو من أعضاء الجسم. فالكحول يعمل كمثبط للجهاز العصبي المركزي ويؤثر على المستويات العليا أولاً. ويؤثر الكحول على الجهاز الهضمي بإحداث التهابات وتقرحات الفم والمريء وتقرحات في كل من المعدة والاثنى عشر وقد يدمر الكحول الخلايا المسؤولة عن تكون حمض الهيدروكلوريك بجدار المعدة ويسبب التهاباً مزمناً بغدة البنكرياس فيساعد على ظهور أعراض مرض البول السكري. ويصيب الكحول الكبد بالالتهاب الحاد وبالتليف (التشمع) ومرض ومتلازمة «زيف» والتي تشمل بالإضافة إلى أمراض الكبد حدوث تكسير في خلايا الدم الحمراء ونقص في الصفائح الدموية، وربما يصاب المدمن بمتلازمة «كورساكوف وفيرنكس» حيث يفقد الذاكرة للأحداث القريبة ولتعويض ذلك يبدأ في اختلاق الأحداث لملء فجوات ذاكرته. هذا بالإضافة إلى زيادة معدل الإصابة بالدرن الرئوي واضطراب ضربات القلب وضعف عضلته وزيادة معدل الإصابة في الرأس وما قد يترتب عليه من نزيف بالمخ وخلل في الذاكرة والخرف المبكر والتهاب الأعصاب الطرفية وحدوث نوبات صرع وزيادة معدلات الإصابة بالكسور نتيجة لعدم الاتزان وحوادث السيارات.

كما تؤدي النواتج التمثلية إلى تقليل الاستفادة من الفيتامينات والمعادن فتحدث أعراض نقصها ومثال ذلك البري بري نتيجة نقص فيتامين ب1 (هبوط القلب وضعف التركيز والإبداع والالتهاب العصبي الكحول) ومرض الحصاف (البلاجرا) الناتج عن نقص فيتامين (ب3) (النياسين) اسهال والتهاب جلدي وضعف وظائف المخ) ومرض فقر الدم الناتج عن نقص فيتامين (ج) و(ب12) وحمض الفوليك وأمراض نقص عنصر الزنك كقصر القامة) وتأخر البلوغ والنضج الجنسي والنمو وضعف الإفرازات الجنسية والاجهاض عند الحوامل وضعف مناعة الجسم ويزيد الكحول من نسبة فقد بعض العناصر الغذائية في البول وخاصة الأملاح المعدنية الكبرى كالمغنيسوم والزنك كما يقترن تناول الكحول بزيادة نوبات مرض النقرس.

وقد ثبت بالدليل والبرهان الساطعين أن تناول المشروبات الكحولية يؤدي إلى ارتفاع ضغط الدورة الدموية البابية، مما ينتج عنه حدوث نزيف من الدوالي المريء عند مرضى الكبد. ومما يجب التأكيد عليه أيضاً أن تناول الكحولات يؤثر على مستويات كثير من الأدوية والعقاقير نتيجة تأثيره على عمليات الايض والانزيمات الخاصة بتلك العقاقير داخل خلايا الكبد.

٭ مدرس واستشاري أمراض الكبد