إليكم هذه النكتة عن مدينة المياه "فينيس" .. أو البندقية كما يسميها العرب :

يحكى أن مزارعا - لم يغادر يوما ريف شيكاغو - فاز بتذكرة طيران الى البندقية في مسابقة للخطوط الأمريكية. وبعد عودته سألته مندوبة الشركة عن رأيه في المدينة فأجابها : بصراحة، يجب أن يفعلوا شيئا بخصوص المياه المتراكمة في الشوارع !!!

..وبالطبع من الواضح ان الرجل لم يفهم طبيعة المدينة وتفردها، فالبندقية مدينة فريدة بنيت على مئات الجزر الرملية المتناثرة شمال البحر الادرياتيكي. وتعود نشأتها الى القرن الخامس الميلادي حين غزا البرابرة إيطاليا فهرب بعض السكان الى تلك الجزر لحماية انفسهم. وشيئاً فشيئاً امتلأت الجزر بالمباني واتصلت مع بعضها البعض بأكثر من اربعمائة جسر .. وهكذا تحولت البندقية الى مدينة متميزة ذات شوارع مائية - ينتقل سكانها بالقوارب ويصطادون السمك من النوافذ.

  • والبندقية "ليست فقط" واحدة من أغرب مدن العالم، بل ومن أكثرها احتواء على الأعمال الفنية والقصور الأثرية. ففي عصر النهضة تحولت إلى عاصمة أوروبا الفنية وظلت كذلك حتى نهاية القرن السادس عشر. وترافقت ريادتها الفنية مع طفرة اقتصادية وعسكرية أتاحت لها احتلال شمال إيطاليا وقبرص وكرواتيا - بل إنها مولت الحملة الصليبية الرابعة وساهمت في تفويض الامبراطورية البيزنطية واحتلال عاصمتها القسطنطينية .. أما من الناحية الاقتصادية فقد احتكر أهلها تجارة التوابل ووصلت سفنهم الى الصين وتايلند والمشرق العربي - وعاد مواطنها ماركو بولو من الشرق الأقصى بأغرب القصص والحكايات ...

  • ولكن، رغم أن الموقع الاستراتيجي للمدينة حولها الى قوى عظمى إلا أن موقعها هذا هو ما يهددها اليوم بالغرق والفناء. فالمدينة تزدحم بالمباني العتيقة بحيث لم يعد المجال متاحاً - منذ الف عام تقريباً - لأي اضافة جديدة. وما زاد الطينة بلة ان هذه المباني بنيت على أساسات رملية هشة تغوص كل عام بمقدار 8سم .. يضاف لهذا أن البنية التحتية للمدينة تعاني بشكل دائم من التدفق الهائل للسياح وعشاق الفنون، فخلال يوليو وأغسطس "فقط" يتدفق على المدينة اكثر من ثلاثة ملايين سائح يصر كل منهم على السكن في احد المباني العتيقة والتجول في ميدان القديس مرقص - علما أن عدد سكانها الاصليين انخفض حالياً الى 14الف نسمة فقط !!

  • وفي الحقيقة المشكلة الأساسية قد لا تكون في البندقية ذاتها بل في ارتفاع مستوى البحر عموماً ففي بدايات القرن العشرين كانت البندقية تعاني من ثلاثة الى أربعة فيضانات في العام. ولكن بدءا من عام 1989ارتفع هذا الرقم الى 40ثم الى 120منذ عام 1998(أي بمعدل فيضان واحد كل ثلاثة أيام). وبعد ستين عاما من الآن لن تكون هناك أي فيضانات لأن المياه ستغمر المدينة أصلاً بارتفاع 23سم .. أما أسوأ فيضان شهدته المدينة فحدث عام 1966حين أغرقت الأمطار معظم إيطاليا وارتفع البحر الى شوارع البندقية فتصدعت القصور العتيقة ودمرت معظم اللوحات والتماثيل الأصلية. وعلى الفور تطوعت منظمات عالمية كثيرة لترميم المدينة وبدأت الحكومة الإيطالية خطة لحمايتها من الغرق... ولكن رغم هذه الجهود ماتزال البندقية تعاني من الشيخوخة وتنبأ تقرير (صدر العام الماضي من وزارة البيئة الإيطالية) انها ستغرق خلال ستين عاماً من الآن ... فالتقرير يقول ان البندقية غاصت في البحر خلال الستين عاماً الماضية بمقدار نصف متر. وخلال الستين عاماً القادمة يتوقع أن يرتفع البحر الادرياتيكي الى 25سم وان تستمر البندقية في الغرق بوتيرة أسرع جراء الضغط السياحي وتصدع الأساسات العتيقة !!

وان صح هذا التقرير فستخسر البشرية قريباً واحدة من أجمل وأغرب مدن العالم .. وسعيد الحظ وحده من يكتب مقالاً كهذا من ميدان القديس مرقص !!