جاء كتاب الكاتبة المغربية الشهيرة فاطمة المرنيسي (شهرزاد تروح غرباً.. ثقافات مختلفة، حريم مختلف) (SCHERAZADE GOES WEST) عدد الصفحات 228الطبعة الأولى عام 2004م الناشر: وشنطن سكوير برس، جاء هذا الكتاب بعد كتب سابقة لها هي: ما وراء الحجاب، الحريم السياسي، نساء على أجنحة الحلم بالإضافة إلى كتب أخرى.

اشتهرت الكاتبة فاطمة المرنيسي خلالها بذلك النفح الهائل من التحليل والنقد لوضع المرأة في الشرق وخصوصاً في العالم العربي، والذي تجلى بتحليلها لوضع المرأة البائس في المنطقة العربية، وتركيز العوامل الاجتماعية والثقافية على هذا الوضع على أنها السبب الحقيقي وراء هذا البؤس وهذا الوضع المتردي، وعلى الرغم من القراءات المتعددة للسيدة المرنيسي لكل مؤلفاتها من قبل القارئ والعربي المسلم، ورغم أن العديد من المؤسسات الثقافية الغربية تحتفل بالسيدة المرنيسي وبكتابتها السابقة والتي وضعت فيها العوامل الثقافية والاجتماعية عاملاً هاماً في الوضع النسائي العربي في هذه الأيام، وربما وضعت البعد الاقتصادي كعامل هام من عوامل التفكك الاجتماعي الذي انعكس على وضع المرأة الأخلاقي في العالم العربي، ورغم سيطرة منهجيات الفكر الغربي وأيديولوجياته على فرضيات وتحليل واستنتاجات أغلب اطروحات السيدة المرنيسي وهذا ما جعل العديد من الدوائر الغربية تحتفل بكتاباتها ومواقفها الثقافية.

ومع أن وعي الكتابة الحضاري قوي على المستوى الاجتماعي والنفسي إلا أنه أقل على المستوى الحضاري الفكري، حيث أنها لم تستطع بالعديد من كتاباتها تحسس المشكلة الحضارية التي تعاني منها المرأة العربية ووضعها الفكري الحضاري ودخولها في دوامة التجاذب الفلسفي القيمي، وبالتالي فإن جناح البوصلة السياسية للعالم العربي ناتج عن الضياع الايديولوجي الذي أخذ يستقطب ذلك من الشرق والغرب بأسس وركائز ومنطلقات قد لا تتمشى مع المنطلقات الثقافية الإسلامية والعربية، وأن المرأة العربية مثلها مثل السياسي والمفكر العربي ذهبت تبحث ما عند الغير من تحولات فكرية واجتماعية من أجل أن تتبنى هذا التحول وتأخذ به. والمرأة العربية اليوم مثلها مثل الرجل العربي يعيش داخل دوامة حضارية مفزعة تعج به، ولذلك لا يمكن القول أو القطع أن المدن العربية هي أكثر محافظة من المدن الغربية بل إن العديد من المراقبين يشعرون بالنقيض تماماً حيث يشعرون أن فساد المدن العربية هو عمل مهجن ومنسوخ بدون نظام أو قوانين عن فساد المدن الغربية، بل إن الفساد الغربي محدد بمكان وزمان وآلية محددة بينما الفساد في المدن العربية لا يحده مكان أو زمان أو آلية ولذلك فإن من يقول: إن المدن العربية أكثر محافظة من المدن الغربية عليه أن يعيد هذه الأطروحة ويوافيها من جديد.

والسيدة فاطمة المرنيسي ككاتبة كانت نتاج هذا المجتمع ومثلما استعادت آلية التفكير والنقد العربي في تحليلاتها الاجتماعية للمرأة العربية فإنها كانت تعيش التناقض وتعيش التحول.

وتتحدث السيدة فاطمة المرنيسي في كتابها الجديد (شهرزاد تروح غرباً) والترجمة الحقيقية هو (شهرزاد تذهب غرباً) باستخدام المنهجية التحليلية الغربية مرة أخرى ولكن لنقد وضع المرأة في الغرب وتحليل الوضع للمرأة في الشرق.

تتلخص فكرة السيدة المرنيسي حول فكرة مفادها أن مفهوم شهرزاد يعني مفهوم الذكاء والتعامل مع الواقع من أجل البقاء والتحايل على هذا البقاء من أجل حياة أفضل فيما شهرزاد عند الغربي هو مفهوم الجنس والشهوة وسطوة الرجال ولذلك فإن السيدة المرنيسي ترى أن الغرب لا ينظر للمرأة الشرقية سوى عير الجنس والرغبة الشهوانية أكثر من نظرته لمفهوم حقوق المرأة واستقلاليتها ولذلك فإن السيدة المرنيسي تفضح هذا الجانب الغامض في تعامل الغرب مع المرأة الشرقية.

إلا أن أهم جزء في هذا الكتاب هو (حريم الشرق وحريم الغرب) حيث تقوم السيدة المرنيسي بكل ذكاء بمراقبة ظاهرة وضع المرأة في الشرق والغرب وتحاول سرد ذلك بشكل جيد ورائع بأن مفهوم الحريم بالشرق ارتبط بالتاريخ وفي قصور الخلفاء ومن يحيط بهم من عالية القوم وهذا الحريم هو مفهوم مكاني وزماني محدد أي محدد في مناطق وبقع محصورة في فترة زمنية محصورة أما المرأة العربية الإسلامية خارج هذين الزمان والمكان فإنها بنت وأخت وزوجة وأم تحظى بالرعاية والاحترام على الرغم من الفقر والفاقة في بعض الجوانب وأن مفهوم الحريم في الشرق هو مفهوم مغلق بالزمان والمكان أما الحريم والغرب وهو أهم جزء في كتاب السيدة المرنيسي فإنه أخذ مفهوم حريم الشرق وعمقه أي جعله أكثر عمقاً وأطول زمناً وأكثر امتداداً على مستوى المكان، وتذكر السيدة المرنيسي أن المرأة في الغرب تكون مقبولة ومحل اهتمام فقط في مرحلة شبابها ونظارتها وقبولها على مستوى الجنس والشهوة وبعد أن تتجاوز المرأة في الغرب هذه المرحلة فإنها تعيش في حجر حريمي غير محدد المعالم والمكان والزمان فإن المرأة في الغرب تعيش عزلة الزمان والمكان عندما تفقد نضارتها وجمالها الخارجي.

وتذهب السيدة المرنيسي للقول بأن حريم الشرق يتحكم به بعض الرجال إلا أن حريم الشرق يقوده الرجال حيث يحدد الرجل مفهوم الجمال والأناقة والنحافة والموضة وأنه أدخل المرأة الغربية سجناً نفسياً هائلاً أكثر كآبة من سجن حريم الشرق.

عند السيدة المرنيسي فإن ما يقابل حريم الشرق المكاني هناك حريم الغرب الزماني أي المعاصر وهو ظاهرة حديثة ومعاصرة أي أن الزمن في حريم الغرب يقوم بدور المحدد الظرفي لحرية المرأة ومجال الاعتراف بها كلما كان زمن المرأة هو زمن الشباب المليء بالحيوية والنشاط والنضارة فإنها طليقة حرة وعند وصولها إلى منتصف العمر حتى تدخل في حريم الغرب وتكون سجينة حتى الموت وحريم الغرب ليس لطبقة معينة أو ثقافة معينة بل هو لكل الطبقات على المستوى الاقتصادي والاجتماعي وحريم الغرب خفي غير مكشوف بل هو يحيط بالمكان وتشعر المرأة بقسوته عليها ولكن لا أحد يستطيع تحديد هويته.

ورغم أن السيدة المرنيسي تقر بالإنجاز الهائل للمرأة الغربية إلا أنها تقول إن المرأة في الغرب هي أسيرة شهوة الرجل ورغباته بشكل استبدادي وقاهر قد يفوق بشكل كبير استبداد الرجل الشرقي بل إن المرأة الغربية داخل حريم الغرب تعيش هاجس الرجل ورغبته إلى الدرجة التي يمكن أن تُخضع نفسها شكلاً وصحة من أجل إرضاء الرجل عبر تغيير الشكل والمخاطرة الصحية.

ومع أن السيدة المرنيسي نقدت وضع حريم الشرق إلا أنها وللمرة الأولى تسجل نقداً هائلاً لوضع المرأة في الغرب ونهايتها التي لا تختلف عن مفهوم الاستبداد والرغبة والشهوة التي يحاول الغرب وصم الشرق بها.