ولكن بأطراف السُّمَيْنَة نسْوَةٌ

عَزيزٌ عليهنَّ العَشيَّة مَابيا

غفر الله لمالك بن الرَّيب التميمي، حيث خَلَّد لنا ذكر «السُّمينة» بقصيدته الرائعة التي رثى فيها نفسه عندما حانت وفاته مجاهداً في أرض خراسان بعيداً عن أكناف السُّمينة.

والسُّمينة: مورد من موارد العرب القديمة، وقد أصبحت بعد مجيء الإسلام منزلاً من منازل «حاج البصرة». ومع كثرة ما ورد بشأنها من نصوص شعرية ونثرية إلاَّ أن تحديد مكانها خفي على الباحثين في وقتنا الحاضر. ولست ألوم من تطرق لتحديد موقعها ولم يهتد إلى مكانها الصحيح، لأن أمرها سبق أن خفي على المتقدمين قبل أن تصبح منزلاً من منازل الحاج.

فقد ذكر البكري في معجمه (رسم توضح) أنه في زمن الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه سافر أُناس من بني تميم إلى جزيرة العراق فوجدوا هناك شيخاً طاعناً في السن فسألوه عن مياه بالبادية.

وقد استفسر منهم قائلاً: (هل وجدتم «السُّمَيْنَة» قالوا نعم. قال: أين؟ قالوا: بين النِّباج واليَنْسُوعَة كالفضة البيضاء على الطريق. قال: ليست تلك السُّمينة، ولكن تلك «زُغَر» والسُّمينة بينها وبين مغيب الشمس، حيث لا تبيِّن أعناق الركاب تحت الرحال، أَحُمْرٌ، هي أم صفر. قال: فوجدنا السُّمينة بعد ذلك حيث نعت..). وفيما يلي تحديد علماء عصرنا للسُّمينة ومناقشتي لأقوالهم:

أولاً: قال الشيخ محمد بن بليهد (رحمه الله): (.. السُّمينة قرية من قرى الزلفي معروفة بما يقرب من هذا الاسم إلى هذا اليوم يقال لها «سَمْنان»..) - صحيح الأخبار: صفحة 1/114.

التعليق:

أقول: سَمْنان الواقع قرب الزلفي بعيد عن مسار طريق حاج البصرة ثم إن اسمه قديم لم يطرأ عليه تغيير حتى نقول: إنه هو السُّمينة. ولعلي اكتفي بما قاله صاحب «معجم بلاد القصيم» في رسم «البيصية» عند مناقشته لهذا الرأي حيث أجاد وأفاد.

ثانياً: قال الشيخ محمد العبودي في معجمه:

(البَيْصيَّة.. مورد ماء قديم يقع في عروق الأسياح التي كانت تسمى في القديم «شقيق النِّباج» أو رمل الشقيق، في الشمال الشرقي من القصيم على بعد 35 كيلاً من بلدة عين ابن فهيد قاعدة الأسياح «النِّباج قديماً».. وهي التي كانت قديماً تسمى «السُّمينة» فجميع أوصاف المتقدمين للسُّمينة تنطبق عليها. قال ياقوت: السُّمينة: بلفظ تصغير سمنة كأنه قطعة من السَّمن، وهو أول منزل من النِّباج للقاصد إلى البصرة. وهو ماء لبني الهجيم، فيها آبار عذبة وآبار ملحة، بينهما رملة صعبة المسلك بها الزرق التي ذكرها ذو الرّمة في شعره.

وقال الإمام الحربي وهو يتكلم عن منازل حاج البصرة: ثم السُّمينة، أخبرني ابن أبي سعد عن النوفلي عن أبيه قال: السُّمينة لبني الهجيم وبها آبار عذبة وآبار مالحة، فمن آبارها تبغر الإبل، فمن أصابها ممن لم يعرفها سقى منها إبله فعطبت، يصيبها كظة تموت منها، وإنما الدواء منها الطين تسفه الإبل.

وقال: والسُّمينة بين مُضْرط ومُرْبخ ينحدر من أحدهما ويصعد في الآخر بصعوبة شديدة، قال الراجز:

ومن حذار مُضْرط تمطَّين

لا بد منه فانحدرن وارقين

.. زعم أهل الأخبار أن أبا موسى الأشعري لما ظفر بالهرمزان، ووجهه إلى عمر أخذ به أحد رسل أبي موسى على هذا الطريق، فلما نزلوا السُّمينة منعهم أهلها الماء، فقال له بعض من معه: إذا وَرَدْت على عمر فأخبره بما صنع هؤلاء لعله أن يرحلهم من هذا الماء، فقال الهرمزان: فأي موضع شر من هذا الموضع؟!).

وبعد أن أورد الشيخ العبودي بعض النصوص من شعر ونثر تقرر لديه أن «البَيْصيَّة» هي «السُّمينة قديماً».

ولعل الشيخ حمد الجاسر «رحمه الله» تأثر بهذا التحديد فعلق ما قال في هامش صفحة 2/68 من كتاب «الأمكنة» لنصر الاسكندري، فارجع إلى ما قاله هناك.

التعليق:

صحيح آن آبار البَيْصيَّة لا تبعد كثيراً عن مسار طريق حاج البصرة، ولكن لا ينطبق الوصف عليها لأمور كشفتها الرحلات الميدانية، ولعل أهم تلك الأمور عدم انطباق المسافة بينها وبين منزل «الينسوعة» الذي قبلها للقادم من البصرة، وكذا بينها وبين المنزل الذي يليها للمصعد إلى مكة وهو «النِّباج» (الأسياح حالياً) فالمسافة محددة بالأميال.

وقبل الاسترسال في ذكر نتائج الرحلات الميدانية لي تعليق واستنتاج على ما مَرَّ معنا من أقوال. فأعلق على ما ورد عن النوفلي عن أبيه من أن آبار السُّمينة تبغر الإبل إذا شربت من مائها حيث يصيبها كظة تموت منها. فأقول: قد يُفهم من هذا القول أن ماء السُّمينة ليس بطيب ويضر الإبل إذا شربت منه وهذا ليس بصحيح، وإلاَّ لما اختير هذا الماء مورداً للحجاج تشرب منه رواحلهم، وإنما قد يكون بعض آبارها المالحة تتصف بهذه الصفة أما آبارها العذبة فلا شك أنها طيبة المشرب، ولهذا ورد في النص عبارة (فمن آبارها) ولم يقل (وآبارها).

أما الاستنتاج: فهو أن «السُّمينة» عندما مَرَّ بها رسول أبي موسى الأشعري رضي الله عنه وبرفقته الهرمزان الذي أسره المسلمون لم تتخذ بُعْدُ مورداً لحاج البصرة، لأنهم ما زالوا يسلكون«طريق المنكدر» الذي يمر بعالية نجد، وإنما اتخذ هذا الطريق الذي يمر بالسُّمينة بعد هذه الواقعة، وإلاَّ لما منع القاطنون حول الماء ورود رسول أبي موسى الأشعري ومن معه. وأما قول الهرمزان عن السُّمينة: (فأي موضع شرٌ من هذا الموضع؟) فلا يدل على سوء المكان، لأن تلك الآبار تقع في مكان جميل ذي مناظر خلابة بين عروق الرمال الذهبية، ولكن الهرمزان، قادم من أنهار جارية تحف بها الخضرة والبساتين الغناء. وللناس فيما يعشقون مذاهب!

فالهرمزان لا يدري أن أصحاب السُّمينة الواقعة وسط الرمال يفضلونها على سكنى القرى والمدن، والعرب يحنون إلى مواطنهم ومرابعهم، ولهذا قال إعرابي:

ألا ليت شعري هل أبيتنَّ ليلة

بجمهور حزوى حيث ربتني أهلي

لصوت شمال زعزعت بعد هجعة

آلاءً وأسباطاً وأرطى من الحَبْل

أحب إلينا من صياح دجاجة

وديك وصوت الريح في سعف النخل

نتائج الرحلات الميدانية وتحقيق مكان «السُّمَيْنَة»:

عندما كنت في طور إعداد كتابي «الثالث» المتضمن تحقيقي لمسار طريق «حاج البصرة» من منزل «النِّباج» إلى ميقات «ذات عرق» بدأت أفكر في تحقيق منازل الطريق من البصرة إلى النِّباج» وكنت أحقق هذه المنازل كلما سنحت لي الفرصة، ومما وقفت عنده كثيراً منزل «السُّمينة» حيث اتضح لي أن أوصاف الطريق لا تنطبق على آبار «البَيْصيَّة» على أنها السُّمينة، ولذا قررت البحث عن مكان آخر ينطبق عليه الوصف داخل تلك العروق الرملية. وبما أنه لا يوجد في هذا الاتجاه سوى آبار تسمى «النقع» فقد قمت بتاريخ 25/7/1417ه برحلة صحبني فيها الشيخ محمد بن عثمان الفارس، وقد سلكنا الطريق المزفت المتجه إلى بلدة «قبة» وفي الخبة الرابعة من عروق الأسياح اتجهنا جنوباً مع طريق مُطَيَّن، وعندما قطعنا 14 كيلاً وصلنا إلى مبان سكنية قليلة العدد تسمى «النقع الجديد» فواصلنا السير باتجاه الآبار الواقعة على بعد واحد وعشرين كيلاً من الطريق المزفت، وقد تجولنا حينذاك حول الآبار وشاهدنا بعض أساسات منزل الحاج بادية على وجه الأرض وكذا عددا من الآبار المطمورة، وكانت إحدى الآبار ما زالت تورد وهي واقعة على خط العرض 23 05 27 وخط الطول 56 26 44 ومن خلال هذه الزيارة تأكد لي أن ما يسمى الآن «النقع» ما هو إلاَّ منزل «السُّمينة» الذي يمر به حاج البصرة بين الينسوعة وبين النِّباج وليس هو آبار البَيْصيَّة كما قيل.

ولعل القول بأن السّمينة هي البَيْصيَّة هو ما جعل الباحث النشيط الأستاذ تركي القهيدان عندما حاول أن يتتبع جزءاً من مسار الطريق شمال شرق النِّباج، أخذ بهذا القول فكان سيره باتجاه البَيْصيَّة على أنها السُّمينة - كما هو ظاهر من كلامه - ولهذا لم تنتظم معه أميال الطريق بهذا الاتجاه. فهو يقول في كتابه «القصيم آثار وحضارة» صفحة 2/291:

(.. والأعلام التي وقفت عليها تتجه بشكل عام نحو الينسوعة، وقد لفت نظري أنها لا تمر ب «قلبان البَيْصيَّة» بل تقع شمالاً منها، ولو أقمنا خطاً مستقيماً من البَيْصيَّة إلى البرقاء في الأسياح لوجدنا تلك الأعلام تقع شمال هذا الخط على بعد 6 كم تقريباً، والبحث يحتاج إلى ضوابط ومنهج واضح لا غبار عليه). انتهى.

أقول: لا ألوم الأستاذ القهيدان عندما لم تنقد معه أميال الطريق باتجاه «البَيْصيَّة» لكونه وقع في مصيدة التحقيق الخاطئ لمكان منزل السُّمينة التي هي بلاشك ما يسمى الآن «النقع» وما وقف عليه من أعلام الطريق كان بالاتجاه الصحيح نحو السُّمينة الحقيقية.

وأحب أن أوضح هنا أن ما يشاهد بالقرب من هذا الاتجاه من حجارة مركومة ليس كله من أميال طريق حاج البصرة ففي هذا الاتجاه يوجد أعلام طريق تجاري موغل في القدم قادم من «البصرة» إلى «اليمامة» مروراً بالنِّباج» وأعلام هذا الطريق تختلف عن أميال طرق الحج نظراً لضخامتها وكثافتها وقد تتبعت مسار هذا الطريق القديم من قرب «اليمامة» مروراً بالنِّباج حتى أوصلته مشارف حفر أبي موسى الأشعري (حفر الباطن حالياً) وأعلام هذا الطريق لافتة للنظر من حيث سعة الدوائر وطول الأذيال الحجرية بحيث يبلغ سعة بعض الدوائر خمسين متراً، وبعض الأذيال قد يصل طوله أربعمائة متر، فلا تختلط علينا الأمور.

زيارة حديثة للسُّمينة:

من الباحثين الجادين الذين أحبوا أرض بلادنا بسهولها وحزونها الأستاذ «عبدالله بن صالح السهلي» وقد أكرمني سلمه الله بزيارتين في منزلي تعرفت من خلالهما على حبه للرحلات البرية، وقد أسفرت هاتان الزيارتان عن القيام برحلتين ميدانيتين إحداهما شمال المملكة، والأخرى بتاريخ 2/1/1427ه إلى «السُّمينة» حتى الوصول إلى متعشى المجازة حيث كان غالب سيرنا في هذه الرحلة عبر الرمال.

وقد وقف الأستاذ السهلي مؤخراً على آبار «النقع» قبل زيارتنا هذه وتقرر عنده أنها هي السُّمينة، وهذا بلاشك من التوافق في الرأي.ولا غرابة بأن يتعرف هو على مثل هذا الموضع الغامض لكونه يتمتع بدراية بالأماكن وهو من الشباب الجادين المحبين للرحلات المثمرة، ولا أدل على هذا مما ينشره هو وزملاؤه من نتائج تلك الرحلات عبر الإنترنت في منتدى «مكشات».

وما دمت في هذا المقال كشفت النقاب عن وجه السُّمينة فيحسن أن أزيح الستار عن الاسم الحقيقي للمشرف على هذا المنتدى وهو «المسفهل» لكي يعرف زوار «مكشات» أن هذا المسفهل ما هو إلاَّ رفيق هذه الرحلة الأستاذ «عبدالله بن صالح السهلي» وهو من رجال التعليم وممن يستفاد منهم. ويا ليت الجهات المعنية بالآثار تدعم هؤلاء الشباب دائمي الرحلات لكشف ما على أرضنا من آثار الماضين أمثال الأستاذين السهلي والقهيدان، وألاَّ يتركوا هذه الهواية الشاقة تستنزف مواردهم المالية المحدودة.

ولنعد إلى سُمينتنا فأقول: عندما وصلنا إلى آبار النقع (السُّمينة قديماً) كان عندنا متسع من الوقت لنتجول حول الآبار بين حَبْلَيْ «مُرْبخ» و«مُضْرط» لكي نستقري آثار منزل الحاج التي ما زالت أساساته بادية للعيان لمن يدقق النظر. ولعل أبرز ما شاهدناه ذلك الحاجز المائي في المنخفض الواقع بجوار الآبار من الجهة الشمالية الشرقية، وهو بمثابة سد لحفظ مياه السيول لتبقى مدة أطول لتغذية ماء الآبار.انظر الى ما تبقى من هذا السد الصورة رقم (1).

وهناك بين هذا الحاجز المائي وبين الآبار برك مستطيلة الشكل وسواقي مياه ومنخفضات يبدو أنها آبار مطمورة. أنظر إلى شكل إحدى هذه البرك أو الأحواض الصورة رقم (2). وأنظر إلى شكل البئر التي ما زالت تورد حتى الآن الصورة رقم (3).

أما المساكن الرئيسة فتقع بجوار الآبار من الجهة الغربية في مرتفع من الأرض وما زالت بعض أساسات تلك المساكن واضحة. ومما يحز في النفس كثيراً أن أحدهم جاء ليستصلح تلك الأرض فقلب آثار تلك المباني رأساً على عقب ليحيل حجارتها وما تحويه من معثورات إلى عقم دائري الشكل. أنظر الصورة رقم (4). وما درى من فعل هذا أنه دَمَّر أثراً له قيمته. ومع أنه ملام إلاَّ أن اللوم الأكثر يقع على الجهات المختصة التي قصرت كثيراً بتفعيل المرسوم الملكي الصادر بشأن المحافظة على آثار بلادنا.

ومثل هذا التدمير قائم على قدم وساق دون خوف أو رادع.

لقد تسمرت طويلاً فوق هذا العقم المرتفع يغمرني شعور بالألم والأسف، وكنت أتابع بنظراتي رفيق الرحلة وهو يلتقط بعض قطع الفخار والزجاج الملون من داخل هذا العقم.لقد جمعنا كماً لا بأس به مما خلفه حجاج البصرة وراءهم. هذه هي السُّمينة التي لم تسمح للباحثين بكشف نقابها إلاَّ بعد أن شاخت وأصبحت من القواعد!!

أملي أن أكون أوضحت ما كان خافياً وبالله التوفيق.