تتعرض أي سوق مالية أو بورصة سواء كانت للعملات، للمعادن، للسلع، أو للأسهم لحالات من التراجع العادي في أدائها، ولكن وعندما تتأزم حالة ذلك التراجع يتحول الأمر إلى تدهور في السوق، والحالة القصوى لهذا التراجع هو ما يسمى بالانهيار الدموي.

التراجع في السوق يحدث عندما يفقد المؤشر الرئيسي للسوق نسبة ما بين 0,25 في المائة إلى 0,50 في المائة، وإذا تجاوزت هذه النسبة 1,25 في المائة يمكن أن يطلق على هذه الحالة تدهور في السوق، خاصة إذا كان الانخفاض في الأسعار لا يقتصر على شركة أو شركتين بل يطال مجموعة من الشركات وكذلك يشمل غالبية القطاعات، وإذا تجاوز التراجع في قيمة المؤشر الرئيسي للسوق نسبة 2 في المائة أو أكثر يطلق على هذا التراجع انهيار في السوق ويصبح الانهيار دمويا إذا قاربت أو تجاوزت نسبة التدهور في المؤشر و في أغلب قطاعات السوق نسبة 10 في المائة.

ما حدث في سوق الأسهم السعودية الخميس الماضي هو أنها تعرضت لانهيار بسيط حيث فقد المؤشر الرئيسي نسبة 2,13 في المائة، ولكن المؤشر في إحدى مراحله فقد نحو 800 نقطة قبل أن يعاود ويقفل على انخفاض 423 نقطة.

السؤال الذي يحتاج إلى إجابة، ما هي العوامل الرئيسية التي تؤدي إلى مثل هذه الانهيارات؟

والجواب هو أن من أبرز العوامل التي تدفع بالسوق إلى الانهيار هناك تسعة رئيسية يعرفها الكثيرين من القراء، وهي:

أولاً: الحالة الاقتصادية

ثانياً: الأوضاع السياسية

ثالثاً: التغييرات في الحكومة

رابعاً: أخبار سيئة من شركات عملاقة

خامساً: خلل في نظام السوق

سادساً: سيكولوجية المتعاملين

سابعاً: الشائعات

ثامناً: تدخل الجهات المنظمة للسوق

تاسعاً: قلة المواد التوعوية

وإذا أردنا أن نتحدث حصرا عن ما حدث لسوق الأسهم السعودية يوم الخميس الماضي، فإن علينا أن نستبعد العوامل الأربعة الأولى، حيث تكالبت العوامل الخمسة الأخيرة وبشكل تراكمي على ما حدث للسوق، وسوف تتناول هذه العجالة هذه العوامل الخمسة بقليل من التفصيل، وهي الخلل في نظام السوق، الحالة السيكولوجية، الشائعات، تدخل هيئة سوق المال، وقلة المواد التوعوية.

لقد كان من أبرز الأسباب التي أدت إلى تدهور السوق الخميس الماضي، تحديدا خلال نصف الساعة الأخير من التعامل هو العطل الذي شل نظام السوق لدى اثنين من أكبر البنوك السعودية كما تواتر عن أكثر من مصدر تم الاتصال بهم، وهذه ليست المرة الأولى التي تحدث فيها مثل هذه الكارثة، فنظام البنوك وكذلك نظام تداول لا يستوعب أيا منهما الأعداد الهائلة من محافظ المستثمرين النشيطين في السوق، تلك المحافظ التي تجاوزت مليون محفظة من أصل خمسة ملايين محفظة مسجلة في السوق، وهذا واضح من الضغوط المهولة على هواتف جميع البنوك والانترنت منذ بدء السوق وحتى نهايته وبشكل شبه يومي، وهذا ما دفع بنظام تداول إلى إلغاء الكسور العشرية في محاولة لرأب الصدع ولتخفيف الحمل على النظام بدلاً من تطوير النظام ورفع كفاءته، ونظام السوق الحالي شبيه بعمارة قدرتها الاستيعابية 100 ساكن ولكن يقطنها 1000 شخص، فمن الناحية الصحية جميع الساكنين منزعجين، حيث إنهم أشبه بساردين معبأ، ومن ناحية السلامة فالبناية تمثل كارثة ومهدد بالانهيار في أي وقت، وهذا ما حدث سابقا ويحدث بين آونة وأخرى.

عندما يحدث خلل في النظام لدى أحد البنوك، وهذا أمر طبيعي نظرا للضغط المتزايد من قبل المضاربين الذين فاقوا قدرة وإمكانية البنوك وشبكات الاتصال، وكذلك حين يتم إيقاف سهم من قبل هيئة سوق المال يصاب الكثيرين من المتعاملين في السوق بالهلع، فيتدافعون إلى تكثيف العروض في عمليات بيع محمومة، ما يحيل أي تراجع بسيط في السوق إلى تدهور ومن ثم إلى انهيار خاصة وأن السوق دائما مهيأة لأي حركة تصحيح بسبب أسعار بعض الأسهم المتورمة بل المسرطنة، ما يجعلها تتسم بهذا النوع من الحالات السيكولوجية مع كل أسف، وأما السبب فهو بكل جلاء «افتقار المتعاملين إلى أدنى معايير تقييم الأسهم» أو أي معلومات عن أسباب مثل هذه الانهيارات.

المستفيدون من الشائعات التي تنشر للترويج لرفع سعر سهم هم نفسهم الذين يبثون الشائعات في السوق لزرع الذعر بين المتعاملين لحثهم إلى الاندفاع والبيع، وكان من الأجدر بهيئة سوق المال أن تكافح مثل هذه الشائعات التي يذهب ضحيتها في الغالب صغار المستثمرين وغير المحترفين في السوق، ولست أدري ما الضرر لو أن هيئة سوق المال أوقفت التعامل في السوق يوم الخميس الماضي كما هي عادتها، خاصة عندما لاحظت مثل هذه الممارسات غير الصحية، والعروض المكثفة على بعض الأسهم، فإذا كانت الهيئة لم تدرك هذه الحالة فتلك كارثة، وإذا كانت تعي ذلك ولم تتخذ أي إجراء فالكارثة أعظم.

من المفروض أن لا يسمح ببيع كميات من الأسهم تتجاوز 200 ألف سهم في أي شركة إلا بعد أخذ إذن مسبق من الهيئة، كما يجب أن يتم الإعلان عن ذلك بفترة كافية حتى يتمكن المتعاملون في السوق من أخذ التدابير اللازمة لذلك.

من أسباب انهيارات السوق أيضا التدخل العشوائي في تعاملات السوق من قبل الهيئة، إما بإيقاف سهم لأسباب غير مبررة والأمثلة كثيرة، أو إيقاف السهم حتى يتدارس المتعاملون الخبر، الأفضل هو أن تنشر أخبار الشركات بعد إقفال السوق بعد أن تتم متابعة تلك الأخبار واستقصاء جميع جوانبها من قبل محررين متخصصين في الهيئة قبل نشرها على موقع تداول أو الهيئة، وبهذا يتمكن القارئ العادي من استيعاب الأخبار وفهم المقصود منها، وأما كبار المتعاملين في السوق فلديهم علم مسبق بالخبر، حيث إن الغالبية منهم يعرفون الخبر وهو في مهده.

إن افتقار موقع الهيئة وموقع تداول إلى أبسط متطلبات التحليل الأساسي والفني، وإلى القدر الكافي من المعلومات والمواد التوعوية أو التثقيفية للمستثمرين أو صغار المضاربين يجعل أقل موقع على الانترنت أكثر كفاءة من موقع الهيئة وموقع تداول، فهذان الموقعان مطالبان بإضافة الكثير من الخيارات لدى من يرغب في تثقيف نفسه، ولست أدري متى سيتم ذلك مع ثقتي بالقدرات المالية لدى الهيئة.

من كل ما سبق على المضاربين والمستثمرين غير المدركين بمخاطر السوق أن لا يندفعوا خلف الشائعات، كل ما كان ذلك ممكنا، كما أن عليهم عدم الاندفاع والبيع تحت أي ظروف مماثلة لأن هذا هو هدف منهم على الطرف الأخر من السوق للاستفادة من مثل هذه الانهيارات، لأن هدفهم هو تعويض كميات الأسهم التي باعوها على ارتفاع، فهم الذين يستغلون مثل هذه الفرص بجلد السوق لغرض الشراء بأقل من السعر الذي باعوا به، وهذه الاستراتيجية باتت معروفة لدى الكثيرين، ولا تقبل الجدل، فأرجو أن يستوعبها البقية الذين يجهلونها، فالاقتصاد السعودي قوي ومتين والأوضاع السياسية والأمنية مستقرة، وعليه فليس هناك داع لمثل هذه الانهيارات.

وفي الختام فإن استراتيجية جلد أو دبغ السوق للشراء بأسعار أقل لا تنطبق على جميع الشركات، حيث تستثنى من ذلك بشكل خاص تلك الشركات الخاسرة، أو التي لا تمتلك أي مقومات للبقاء.

وأما الحلول لتجنب مثل هذه الانهيارات فتتلخص في ما يمكن عمله وبسرعة، ومن أبرز الحلول الممكنة حاليا:

السماح لشركات السمسرة بمزاولة عملها بأسرع وقت ممكن وعلى أن يقتصر عملها على صغار المستثمرين والمضاربين لامتصاص الأعداد الهائلة من طالبي الانضمام إلى السوق والذين يقفون في طوابير الانتظار.

ثانيا: تكليف البنوك بفتح صالات تداول جديدة، تكون على مستوى الحدث، فالذي يزور بعض صالات التداول يحس أنه في فصل دراسة في الصف الأول ابتدائي.

ثالثا: فتح سوق مساندة حتى لا يتم إيقاف سهم أي شركة بل تحال شركة مخالفة إلى هذه السوق حتى تفي بالتزاماتها

رابعا: الإسراع في طرح الشركات التي تتوافر فيها شروط الإدراج وعلى أن تكون مدة الاكتتاب شهر حتى تتكرر المآسي التي تحدث كما هو معتاد، نظرا لعدم استطاعة البنوك استيعاب أعداد المكتتبين الذين ربما يقفز إلى عشرة ملايين مكتتب خلال هذا العام، كما يستحسن أن يتم الاكتتاب لدى جميع البنوك السعودية.