على ساحل البحر الأحمر الشرقي وعند نقطة تقع جنوب بلدة الليث بمسافة 43كم تقريباً توجد آثار بلدة تلاصق سيف البحر، حيث تحتل الطرف الجنوبي الشرقي من ذلك الرأس الذي يسمى (رأس جلاجل) لا تتجاوز مساحتها ثلاثة أرباع الكيل طولاً من الشرق إلى الغرب ونصف الكيلو تقريباً عرضاً من الشمال إلى الجنوب. ويبدو من ملاصقة حرفها الجنوب لشاطئ البحر، أن هذا الحرف كان رصيفاً تفرغ فيه السفن - التي ترسو في مينائها - حمولتها كما تحمل منه ما تصدر من بضائع إلى موانئ أخرى. ولا تزال بعض السفن الشراعية الصغيرة تجد في الميناء المجاور لموقع هذه البلدة مرسى طبيعياً هادئاً، حيث يحد ارتفاع ذلك الرأس الرملي نشاط الرياح الشمالية الغربية عن مياه الخليج المتوازي مع امتداد الرأس المذكور، الذي يقع هذا المرسى في نهايته من الشرق، مجاوراً لموقع هذه البلدة الأثرية من الجنوب.

ويطلق على هذه البلدة الأثرية اسم السرين، وألف الباحث التاريخي الأستاذ حسن بن إبراهيم الفقيه كتاباً بعنوان (مدينة السرين الأثرية) ضمن سلسلة كتبه التي أعدها وألفها عن الآثار في تهامة.

وجاء اسم السرين في نص الحموي القائل: .. قيل: (حلية واد بين أعيار وعليب يفرغ في السرين) وأورد الحموي نفسه القائل بأن (المسافة بين وادي الأحسبة والسرين سرى ليلة من جهة اليمن).

وقد ورد اسم السرين في كتب الأدب الجغرافي عند العرب التي تعود إلى القرن الثالث الهجري ومما يدل على شهرة السرين في ذلك القرن وما بعده وتبوئها مكانة كبيرة في خارطة الأمكنة المشهورة في ديار العرب، ويدل هذا أيضاً على أن بلدة السرين على وجه الخصوص قد مرت في زمن قبل القرن الثالث الهجري - بمراحل من التوسع العمراني والتقدم التجاري، واستقطب موقعها على طريق الحج والتجارة براً وبحراً بين الحجاز واليمن أهمية مكانية وجهت إليه الأنظار، ولفتت إليه أفكار المهتمين بالكتابات عن جغرافية بلاد العرب، بخاصة ومملكة الإسلام بعامة في تلك القرون المبكرة فابن خرذادبة ذكر السرين في وصفه لمراحل الطريق الساحلي بين عمان ومكة فقال: (ثم إلى مرسى حلي ثم إلى السرين ثم إلى أعيار..) وهذا يعني أنه بين حلي الواقع جنوبه وأعيار الواقع شماله.

ومن الموانئ التي نشأت على ساحل البحر الأحمر في عصر ما قبل الإسلام على ما استنتجه الباحث الشيخ حسن الفقية من معلومات كتب التراث العربي ميناء السرين الذي يعد الباب الذي يعبر به احتياجات سكان سهول تهامة وجبال السراة.

واتخذت بلدة السرين التي نشأت بجانب هذا الميناء أهمية مكانية على الطريق بين اليمن والحجاز براً وبحراً بحيث أصبحت ملتقى طريقي تهامة البريين اللذين يجتمعان فيها ويفترقان بعدها شمالاً وجنوباً. كما أن ميناءها أصبح يمثل ممراً بحرياً يلعب دوراً خطيراً في حركة التجارة البحرية بين موانئ البحر الأحمر وبخاصة موانئ الشاطئ الشرقي للبحر الأحمر التي تقع شماله وجنوبه وكذلك صادرات السروات والقرى الداخلية.

وصور المقدسي في النصف الثاني من القرن الرابع الهجري فقال (والسرين بلد صغير. له حصن الجامع فيه، على باب البلد مضعة، وهو فرضة السروات، والسروات معدن الحبوب والتمور البردية والعسل الكثير).

وذكر في نصه المرافق العمرانية في بلدة السرين وهي:

٭ الحص: الذي لعله كان ثكنة عسكرية، أو مركز الإدارة الحكومية بما فيها الثكنة العسكرية التي تقوم بحراسة هذا الميناء والدفاع عنه.

٭ الجامع: والذي يدل على استيطان جماعة كبيرة من السلكان في السرين، ولعله كان مدرسة تخرج فيها بعض من اشتغل بالعلم واشتهر بنسبته إليها مثل (أبي هارون موسى بن محمد بن محمد بن كثير السريني) أستاذ أبي القاسم الطبراني.

٭ الفرصة: وهي توضح ما كان يمارس على رصيف السرين من حركة تجارية نشطة توريداً أو تصديراً.

٭ المضعة: وهي كما أسلفنا صهريج أو مجموعة صهاريح بنيت لتخزين مياه الشرب. والسرين كبلدة بحرية أحوج ما تكون للمصنع لانعدام مصادر مياه الشرب فيها.

وقال العذري (393 - 478ه) (.. مدينة السرين عظيمة بسوق وجامع علي البحر الأحمر، بناؤها بالخشب والحشيش، وجامعها مبني بالمدر، وسورها في البحر ولها مرعى، وزرعهم الذرة والسسم، يسقى بماء السيل، قليلة البرد، وغلالهم قليلة، وتجلب لها الميرة من الحبشة وغيرها، ولباسهم الرداء والأزار ومعاملتهم الدراهم.

وهناك نماذج من النصوص الشاهدية في هذه المدينة.

وحصر الشيخ حسن الفقيه تسعة نماذج منها.

٭ بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما تشهد عليه أم يوسف ابنة رزيق بن سمح: تشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله باعث من القبور على ذلك حيت وعليه ماتت وعليه تبعث إن شاء الله.

بما أن موقع السرين كان سبباً في تطورها وتقدمها في إطار التطور الحضاري الذي شهدته الدولة الإسلامية في عصر الازدهار. وأيضاً كان هذا الموقع سبباً مهماً في تدهورها ومصيرها للفناء، وبخاصة أن الفترة حسبناها بداية النهاية لحياتها تصادف فترة ضعف الدولة العباسية وتمزق أطرافها ثم سقوطها أخيراً في منتصف القرن السابع الهجري على أيدي المغول واحتمال تأثير حياتها واستقرارها بالحملات الحربية التي انطلقت منها للاستيلاء على مكة ولا يستبعد أن يكون حبل الأمن كان مضطرباً في خضم هذه الأحداث، واوردت كتب التراث نصوصاً يستدل عنها على بقاء ذكر مدينة السرين إلى حوالي منتصف القرن الثامن الهجري من ذلك ما أورده بعض المؤرخين المكيين عن الحملات الحربية على مكة التي اتخذت من السرين مركز تجمع وانطلاق أو مرت بها واستقرت لأيام ثم واصلت زحفها إلى مكة وذلك في السنوات 633ه و635ه.

وتأسف الشيخ الفقية أنه على الرغم من وفرة النقوش بالسرين البارز منها والمحفور لا تجد أي خطاط أو ناقش سجل اسمه على عملة الغني وذلك في حدود ما صادفه من نقوش كما توجد المباني ومخلفاتها والأواني الفخارية والزجاجية..