لم يكن نبأ تتويج برنامج (العاشرة مساءً) كأفضل برنامج حواري في مصر في عام 2005 بالنبأ المفاجئ، على الأقل لمتابعي البرنامج، وذلك لأن جهد الإعداد المبذول فيه ومستوى مقدمته المتألقة «منى الشاذلي» كانا يوحيان منذ البدء بتميزه وتفرده ليس في مصر فحسب بل في الفضاء العربي عامة. فهو يطرح في كل يوم ملفات ضخمة وبإعداد مذهل من حيث غزارة تقاريره الميدانية ونوعية الضيوف المشاركين وطبيعة الأسئلة وعمقها وإحاطتها بكافة جوانب الموضوع المختار. وسواء أكان الموضوع سياسياً أم اجتماعياً أو حتى اقتصادياً فإنك تشعر بنكهة التخصص في كل مجال من هذه المجالات. البرنامج طرق خلال فترة بسيطة أبواب موضوعات كثيرة ومتنوعة فمن قضية الرسوم الكاريكاتورية السيئة في الصحف الدنمركية إلى جريمة قتل عشرة أشخاص من عائلة واحدة بطريقة بشعة في ريف مصر مروراً بقضية اللاجئين السودانيين الذين قضوا على يد القوات الأمنية المصرية، كان البرنامج حاضراً بكامل بهائه مصحوباً بألق «منى الشاذلي» وبوعيها الكبير.

الموضوعات الفنية، السينمائية تحديداً، كان لها نصيب من عناية البرنامج واهتمامه. وهذا طبيعي خاصة إذا ما علمنا أن معد البرنامج هو الناقد «عمرو خفاجي» الذي كان يقدم البرنامج السينمائي المميز (استوديو مصر) عبر ذات القناة (دريم). ولأن الحال كذلك فقد قامت «منى الشاذلي» في حلقة ماضية باستضافة المخرج «أكرم فريد» مخرج الفيلم المصري «حاحا وتفاحة» مع بطل الفيلم «طلعت زكريا».. وتحدثت معهما عن فيلمهما الجديد وعن الزوبعة التي أثارها في مصر، وعرجت بالحديث عن هموم السينما المصرية وعن بعض المفاهيم التي تحكم هذه الصناعة وتقودها.. وهي مفاهيم تبدو أحياناً غريبة وساذجة ولا تقوم على فهم صحيح ومنهجية واضحة.

وقبل الحديث عن أي إشكالية في السينما المصرية لابد أولاً من الإشادة بالجانب التقني في الأفلام المصرية الجديدة، فهي وإن كانت تعاني الكثير فيما يتعلق بالأفكار والسيناريو والمضمون الهش والسطحي، إلا أنها امتازت بنقاء الصورة وبوضوح الصوت على عكس ما كانت عليه الأفلام في فترة المقاولات سيئة الذكر التي استأسد فيها أحمد بدير وفاروق الفيشاوي ونهلة سلامة وقدموا خلالها أسوأ الأعمال في جميع النواحي الفكرية والبصرية فكانت أعمالاً تافهة بلا إتقان شكلي وخالية من أية مضامين فكرية أو إنسانية.. لكن حين نضع هذه الإشادة فإن هذا لا يعني أن السينما المصرية على ما يرام.. كلا.. إن حال السينما متردّ وهذه حقيقة صارحت بها «منى» ضيفيها وألمحت إلى أن فيلم «حاحا وتفاحة» يمثل رمزاً لهذا السوء لكونه جمع كل المواصفات الرديئة التي ميزت موجة سينما الشباب من هشاشة في النص وإيحاءات جنسية مبتذلة وأغان خالية من أي ذوق موسيقي.. وقد أجاب المخرج الشاب «أكرم»، أمام هذا الانتقاد الصارم، بتبريرات عديدة، مجملها واه، تشعر معها بعدم قناعة المخرج بما يقول.. ومن هذه التبريرات كان استشهاده بالفيلم الأمريكي (قابل عائلة فكرز) ل «داستن هوفمان» و«روبرت دي نيرو» كنموذج لقبول نجوم السينما الكبار بأعمال تحوي مثل هذه الإيحاءات البغيضة وهو ما يعتبره تسويغاً لتقديم مثل هذا النوع الهابط من السينما.. أما الممثل (طلعت زكريا) فقد أكد أن هذا هو الشكل الحقيقي للسينما.. فالسينما في نظره هي فقط تلك التي تجلب «المال» ولا يهم بعد ذلك أي حديث عن قيمة الفيلم ورسالته.. وقد أبدى في سياق كلامه تبرماً وضيقاً من عدم دعوته للمشاركة في المهرجانات السينمائية في مصر.. إذ كيف لا يدعى وهو يقدم هذه الأعمال العظيمة؟!

لاشك أن كلاماً كهذا، ينطق به صناع السينما المصريون، هو دليل على أن تردي الصنعة السينمائية لم يأت من فراغ، فالمفاهيم التي تحكم هؤلاء هي مفاهيم خاطئة وتنبئ عن جهل حقيقي بقيمة السينما ومكانتها كوسيلة للبوح ونثر الهموم والتنوير والتثقيف وقيادة الإنسان إلى عالم يبدو فيه أفضل وأرقى.. «منى الشاذلي» علا وجهها ملامح الاستغراب من بعض إجابات ضيفيها.. والمميز فيها أنها لم تهادن ولم تجامل.. بل قالت الحقيقة وأوضحت أن السينما الحقيقية شيء وأن ما يقدم الآن شيء آخر..