الشيب ذلك اللون الأبيض الذي يغطي سواد الشعر سوادا كاملا أو جزئيا هو سمة من سمات الوقار والحكمة كما قيل وهو أمرٌ لا يتقيد بالسن إطلاقاً، فقد تجد كبير السن دون بياض كامل وقد تجد شاباً صغيراً بدأ الشيب يغزو شعره ويغطيه.

ورغم ذلك البياض الحتمي على شعر الإنسان الذكر والأنثى فتجد البعض يتضايق من ذلك اللون ويلجأ إلى استخدام كل الطرق والوسائل التي يمكن أن تخفي هذا الشيب من صبغات وحناء وخلافه، بينما البعض الآخر يعتبر ذلك أمراً مألوفاً لديهم، ولم يغفل الشعراء في قصائدهم الشيب وهمومه فأبدعوا بأجمل القصائد والكلمات فيه فهذا الشاعر سلطان الأدغم السبيعي يقول:

يا بنت والله ما بهرجك خمالي

وإنحاس باللي يوم طريتي الشيب

والشيب هو قبله وجيه الرجالي

وجيه الرجال اللي شمو على الطيب

كم أشمط لاهاب بعض العيالي

يارد على حوض المنايا إليا هيب

وخطو الغليم لو بوجهه جمالي

يصير دعبول هروجه ربابيب

وفي هذه الأبيات يوضح الشاعر سلطان الأدغم أن الشايب قد يصبح أفضل من الغلمان وهم الشباب في التصرف في بعض الأمور الرجولية، ووجود الشيب ما هو إلا دليلٌ على اكتمال الرجولة ولا يعيب الشخص وذلك من خلال رسالته التي يخاطب فيها البنت.

كما يؤكد كلامه الشاعر ذيب إبراهيم الشمري فيقول:

قالت تعذر قول حان المشيبي

والشيب ما به للنشاما عذاريب

قلت أعتقد ما هو الجيلي قريبي

ولا داعي أبدي للقضى شارة الريب

الوقت شيب بي قبل وقت شيبي

حسبي على سود الليالي المعاظيب

والناس قالوا للفتى ما يعيبي

العيب باللي ما سلك منهج الطيب

وإن شبت ما ينقص وقاري وطيبي

عند الرجال اللي تعرف المواجيب

وهذا الشاعر مرشد سعد البذال يربط كبر سنه وتقدم العمر به بالشيب وكيف تراخت قواه فيقول:

من يوم بان الشيب في عارضلي

والكبر بين في عظامي فعوله

اليوم جزت من الجهالة لعلي

مثل الذي في توبته باركوله

أيامي اللي من قديم ضحكن لي

أقفت كما نشر بعيد محوله

ويقول الشويعر الزعبي:

ما شيب المقرن معي يوم شيبت

مير انثني عمر وأنا صرت شايب

يا مرقب الدمان يا مرقب الشبت

هو مرقبي يوم السنين العجايب

وتمر مرحلة الشباب لدى الشخص بالهوى والعشق ولكن بعد ظهور الشيب والكبر تتلاشى تدريجياً فهذا الشاعر المرحوم عبدالله بن سبيل يقول:

أخذت لي في ماضي العمر سجات

يوم الهوى قايم وأنا أتبع هوايه

يوم إن لي مع تلع الأقارب حرفات

أبيع وأشرب بينهن بالسّعايه

واليوم شبت وتبت عن كل ما فات

وطويت عن كل الموارد رشايه

ويشاركه الشاعر محمد بن عبدالمحسن المذن الرأي فيقول:

تمنيت لا حافني الله بالمنى

إنه يخلص ما تخلص من أنشابي

يقود الرجالي عقب الاغضالي لحظه

يعيد الزمان اللي مضى عقب ما شابي

لجل أني أخذ بآخر العمر سجه

تبرد لهيب بالحشا له تلهابي

ومن يربط الشيب بالسن يخطئ فالشيب قد يكون وراثة أو يظهر نتيجة ضغوط نفسية وفوران زائد للدم فهذا أحد الشعراء يؤكد بأنه صغير في السن لكن الحياة ومتاعبها سبب ظهور الشيب في رأسه فيقول المرحوم إبراهيم اليوسف:

توني شباب ودون رأسي غدا شيب

من ذا الزمان اللي يرثني عكوسه

الوقت هذا خايف منه ومريب

هذا زمان ما قرينا دروسه

وقت به الحصيني بدا يفرس الذيب

يمشع مراسم هبره في ضروسه

وفيه الكروان أستوى له مخاليب

يشهر على طير الهداد ويدوسه

وهذه قصة حدثت لفتاة كانت محجوزة لابن عمها تحت عُرف العرب قديماً فاحتالت أمام أقاربها بأنها ترغب الزواج من أحد أقاربها ووافقوا فاختارت رجلا شايبا وبعد شهر من زواجها قالت هذه الأبيات تتحسر على هذا الزواج:

يا حمد يا عيد حافيات الركايب

ما معك بالقلب لا من صد حيله

جعل عرس حط في عمري نشايب

ينقطع قطعة رشابير طويلة

حظي الأقشر بلاني لي بشايب

مثل صيف اليانشا خلب مخيله

كن غزل أذنيه ريف في شعايب

مثل ضبع اليا مشي ينفض شليله

وسمع ذلك زوجها الشايب فرد عليها بهذه الأبيات:

كيف هي تختارني بين القرايب

وأنكرتني يوم قد هي لي حليله

شايب شيبي على عوص نجايب

سبرها خمن درهمت فلها وليله

طالق بعداد ما هب الهبابيب

عد دق العرق وأنواد تشيله

ويتوجد الشاعر جهز بن شرار على شبابه وصحته فيقول:

أقفت يابو فيحان وأقفا به الشيب

الشيب جاني دوب ما أنيب أوده

الشيب أشوفه مرت بي عذاريب

يبذ عداداً يجيله يعده

الشيب يردي المرجلة لو لقاطيب

يلزم صحيبه لين عنها يصده

وإليا أدركه عاضه بعتل المصاليب

وإلى أطلقه ما يطمع إنه يشده

قام يتوكع به خلاف المعازيب

مبروك دام الزمن يقدر يرده

كم فات لي من ماضيات الهناديب

فوق المهار ومصرخات الأشده

ويعتز الشاعر هذال بن إبراهيم العتيبي بالشيب في رأسه ويلوم من يتضايق منه ويحاول إزالته فيقول:

صار الشعر الأبيض على الأسود يزود

وأصبح بياض الشعر يطرد سواده

الشيب بين وأصبح العقل مردود

ينزل محله ويتعلا أشداده

يا زين شيب ما يجي فيه منقود

هذاك ربي من فضايله زاده

أشوف ناس تصبغ الشعر بالعود

شايب وعمر قد توسد وساده

يحسب شبابه لا صبغ شعره أيعود

والعمر ينقص ما يجي في زياده

ويدل الشاعر أحمد بن عبدالله الدامغ بأن الشيب وظهوره في رأس الرجل دليلٌ على قرب الأجل فيقول:

أرجع وحاسب ما مضى من لياليك

وأستصلح أمرك كود تمحا خطاياك

شيبك نذير جاك معاد يعفيك

عن سيء الأخلاق بالكبر ينهاك

وإن منتهبت فالندم جا يناديك

في ساعة معاد ينفع أمناداك

إلى أن قال:

أليس وقار الشيب علّه أيصافيك

وإن ما لبسته صار ضدك أو عاداك

وإن عاندك شيبك يبين مخازنك

ينشر كتاب بأقشر الفعل يدهاك

حتى يلومك كل من هو حواليك

وأيبين النكران من كان صافاك

ويقول الشاعر عبدالمحسن راشد العوهلي:

قال المطوع يوم شاف الشعر شاب

الشيب للمدرك علامة نذاره

خوذوا حذركم يا صافين الألباب

في ساعة المهله حذار الحذاره

وفي قصيدة أخرى يقول:

من غرته دنيا قام يتباها

إلى نصحته جاوبك بالعنادي

أمثال شيبان تصبغ الحاها

تغير الشعر البياض بسوادي

تئبا الوقار اللي من الله عطاها

تبي شباب فات والشيب بادي

لو فكرت شيبانكم في خطاها

كان أرجعت للحق قبل التمادي

الله يعافينا من اللي بلاها

ويدلها للحق هو والرشادي

ونختتم موضوعنا بالقصيدة المشهورة لأبي العتاهية في الشيب:

بكيت على الشباب بدمع عيني

فلم يغن البكاء ولا النحيب

فيا أسفاً أسفت على شباب

نعاه الشيب والرأس الخضيب

عريت من الشباب وكان غصناً

كما يعرى من الورق القضيب

فيا ليت الشباب يعود يوماً

فأخبره بما فعل المشيب