لا أحد يعرف على وجه التحديد ما هو السبب الذي من أجله توقف مسلسل الطريق إلى كابول لكن كل الاحتمالات، ما شاع منها، وما تبطن لا يعفي قناة قطر منتجة العمل، من الحرج الذي خرجت به من جراء وقف المسلسل، فالمنتج الشريك عدنان عواملة، نفى ما تردد من أن امتناع قناة قطر من بثه يرجع لأخطاء فنية، أو ما شاع أيضا من أن قناة قطر قد تلقت تهديدا من بعض منظمات متشددة، بتفجير القناة إذا ما عرضته، طالما أن الإم .بي. سي، لا تزال مبانيها عامرة بالطمأنينة، بعد بث الحلقات الثماني منه التي استلمتها، لتبقى قطر في حرج من فعلها، وطالما أن قناة الجزيرة ملتزمة على الجانب الآخر ببث شرائط الإرهابيين من خطابات أسامة بن لادن، وأيمن الظواهري، ومشاهد جز الرقاب التي يسوّد بها الزرقاوي، وجوه المسلمين، بحجة مقاومة الاحتلال، واختطافه للنساء والاطفال وبث صور دموعهم، وتوسلاتهم اللا إنسانية، فيما ترفض قناة قطر أن تختلف معها، في وجهة النظر، وتبث مسلسلا يظهر في بعض مشاهده، مجاهداً أفغانياً يصفع أخته الطبيبة، ويكفر فعلها بدراستها الطب، في ديار الكفر، ويمنعها من مزاولة عملها، لإنقاذ الأرواح في بلادها، لأنها امرأة يجب عليها أن تلزم دارها بحجة أن هذا ما يريده الإسلام، أو مشهد إعدام أمرأة ترجم لأنها فتحت مدرسة سرية لتعليم البنات بعد أن منع حزب طالبان من تعليم البنات، فيما التزمت قناة الإم بي سي بعرضه، ليس تضامنا مع القيمة الفنية للعمل، أو دفاعا عن حق الرأي الحر بل لإنقاذ ،آلاف الدولارات التي دفعتها الشركات التجارية للقناة ثمنا للدعايات أثناء عرض المسلسل، وبغض النظر عن جميع الاحتمالات، فإن المتفكر في حال الواقع العربي وحال الرأي فيه، يجد أنه يمر بضيق وكرب شديدين، ينظر فيه إلى الدراما العربية، على أنها قنابل سياسية، وإلى العمل الفني على أنه نشرة حزبية، إذا اختلفت مع ما تتبناه المنظمة، والحقيقة أن ما تثيره بعض المسلسلات من ضجة وقلاقل بسبب مضامينها الفكرية وليس بسبب عناصرها الفنية، يعكس واقعا يضيق بما يمكن أن نسميه حرية التعبير عن الرأي وقبول أطيافه المتعددة، فمسلسل الطريق إلى كابول الذي يمكن النظر إليه على انه قراءة درامية لحقبة تاريخية هامة مر بها العالم العربي والإسلامي، تنامت فيها حركة ما سمي بالجهاد الأفغاني وتحديدا حركة الأفغان العرب حتى طالت نيرانها العالم كله وكانت اكبر أصدائها، أحداث الحادي عشر من سبتمبر، ثم غزو العراق.

المسلسل لم يقدم سوى وصف حيادي للحرب الأفغانية ،التي فتحت بابها لما عرف بالجهاد العربي، ثم تصديرها لفهم متشدد للإسلام، تم ترويجه كفهم إسلامي أحادي غير قابل للنقض والجدل، بل وتمت حراسته، بالمسدسات والقنابل وحرب التفجيرات . المسلسل عرض بعض النظريات المحتملة لتلك الحرب منها أنها حرب دولية على ارض أفغانستان يحاول كل طرف مستفيد منها أن يحل مشاكله فيها، والثانية أنها مؤامرة تشترك فيها قوى عالمية وأمريكية للسيطرة على الأراضي الإسلامية، ثم بكونها حربا افغانية لإقامة دولة إسلامية والجهاد فيها فرض واجب على كل مسلم في أي بلد، وما أفرزته هذه الحرب من فكر إسلامي متطرف بل ومنحرف راح ينشر انحرافاته في بلدان العرب والمسلمين أنفسهم تحت دعاوى مختلفة . المسلسل حوى الشخصية الإسلامية المتنورة التي تفهم الإسلام كدين سلام ومحبة يحث على العلم والعمل، وعلى الشخصية المتشددة التي ترى أن الإسلام لا يحتمل تعلم المرأة ولا طلب العلم في بلاد الكفر، وبعضهم كان يرى أن الموت فيها غاية لا وسيلة.

معظم ما طرحه المسلسل نشرته معظم الأدبيات التي نشرها المجاهدون أنفسهم من مفكرين ومنظّرين ومجاهدين ،وأطرف ما في تناقضاته ما عرضه المسلسل، من أن هذه الحرب يعترف أصحابها بأن جيشهم الذي يخوض حربا إسلامية هدفها إقامة دولة إسلامية يتغذى على أموال من بيع المخدرات . ما عرضه مسلسل الطريق إلى كابول هو قراءة هامة كان فيها كثير من الضعف الدرامي، والبطء القاتل للحدث، إلا أن الأهم منه هو ما لفت إليه المسلسل، من أن واقعنا العربي، واقع مريض، بل ويتردى كل يوم، فكل أغنية فيه، أو مسلسل، أو قصيدة، أو مقال، أو كتاب، يتعرض للمصادرة، والمطاردة، والتهديد، ويكون مصيره الخنق، وكل منظمة يفرزها هذا الواقع، أياً كان جنسها، أو لونها، تتحول مع الوقت إلى مافيا، تراقب كل ما يظهر على سطح الرأي العام وتخنقه حتى ولو كان عملاً فنياً يتعرض لنقد واقعه، وتطلق عليه رصاص التخوين والتكفير، بل وتتحول مدارسنا إلى حاضنة لهذا الفكر ومنبرا له فتجد بين طاقم تعليمه من يروج أن أسامه بن لادن بطل أو تتوقف الطوابير المدرسية ليقرأ عليها بيان بحرمة برنامج شعبي دون أن يتحرك لوقف تلك المجازر الفكرية أحد، ولا أدري كيف يمكن أن يتقدم حال المسلمين، ويتطور إن لم يتمكنوا من قراءة واقعهم، ونقده، والتدبر في أسباب تخلفه، بعمل فني أو فكري من مقال وغيره، ولماذا توضع بعض القضايا فوق النقد، ويوضع بعض الناس فوق المحاسبة بحجة انهم هم حراس الفضيلة؟. ولهذا لا تستغربوا أن يتجه تسعون بالمائة من الأعمال الدرامية للغوص في تاريخ بعيد لا يقوم أصحابه من قبورهم لمحاسبتهم وتهديدهم بزرع القنابل تحت مبانيهم، وإن خرج مسلسل وحيد يتناول حدثا تاريخيا أصحابه أحياء فعليهم أن يخوضوا مغامرة لا يعلم سوى الله حجم ثمنها المدفوع