"هناك أمران ينبغي أن يتحسنا وإلا كانت الحياة لا تطاق: اهانات الزمان ومظالم البشر"

  • حكمة عالمية-

نشرت جريدة الوطن مؤخراً(أنه تم تشكيل لجنة عليا مكلفة من وزارة الداخلية ووزارة الصحة ووزارة الشؤون الاجتماعية لدراسة ظاهرة الإصابة باضطرابات نفسية وتزايدها في المجتمع السعودي وكيفية معالجتها بالأساليب الصحيحة وخطورة تلك الظاهرة على المجتمع وعلى المصاب نفسه، يأتي ذلك بعد تزايد عدد حالات الإصابة بالاكتئاب والأمراض النفسية في المجتمع السعودي بشكل غير مألوف خلال الفترة الماضية، حيث اتضح أن مشاكل أغلب المراجعين للصحة النفسية ليست صحية وإنما اجتماعية ومادية.

من جانب آخر قال مدير الخدمة الاجتماعية بمنطقة مكة المكرمة إحسان طيب إن وزارة الشؤون الاجتماعية تتابع حالات الأيتام في كل المناطق ورعاية المسنين، مشيرا إلى أن هناك متابعات للحالات التي تحتاج إلى رعاية الشؤون الاجتماعية سواء للأفراد أو للعائلات،)

ما الذي يود إيصاله لنا هذا الخبر؟

ولماذا كان استهلاله عن ارتفاع معدلات الإصابة بالاضطرابات النفسية؟ وما دخل وزارة الشؤون الاجتماعية بهذه الاضطرابات؟

ولماذا انتقل الخبر للحديث عن رعاية الأيتام؟

هل كان الخبر يشير على استحياء الى مشاكل ذوي الظروف الخاصة "مجهولي الهوية" النفسية والذين يخلط بينهم وبين الأيتام؟

مدخل:

من المهم جدا الإشارة الى أن الاهتمام برعاية الأيتام فيما ينشر عبر وسائل الإعلام يشعرنا بالارتياح خاصة بعد تأسيس جمعية "إنسان" والتي تقدم خدمات مميزة وأهدافها تصب في توفير أوجه الرعاية المعنوية والمادية لليتيم، منذ مولده وحتى استكمال تعليمه أو تدريبه مهنياً ووضعه على طريق مواجهة حياته.

أيضا صدور قرار انشاء المؤسسة الخيرية لرعاية الأيتام بموجب قرار مجلس الوزراء الموقر ذي الرقم 14والتاريخ 1424/1/14هـ وتسجليها لدى وزارة الشؤون الاجتماعية حيث تهدف الى مساعدة الأيتام ومن في حكمهم ممن ترعاهم وزارة الشؤون الاجتماعية أو تشرف عليهم. يعتبر خطوة جيدة إذا ما أدركنا أهمية ألا ترتبط هيكلتها مباشرة بالوزير المسؤول بل بمؤسسات الإشراف الاجتماعي.

لكن السؤال الذي يطرح نفسه لماذا جمعية (إنسان) فقط للأيتام ولا تشمل خدماتها ذوي الظروف الخاصة ولماذا استثنوا هؤلاء من فئة الأيتام؟

ولماذا ذكرت الوزارة في أهدافها حال انشاء المؤسسة الخيرية كلمة "ومن في حكمهم" من هم الذين في حكمهم؟

إننا نقصد مجهولي الهوية فلماذا نفصلهم عن الأيتام حتى في حديثنا عنهم، من المؤلم أن يحدث الفصل لغويا وعلى ارض الواقع في رعايتنا لهم وهم الأكثر احتياجا الى اندماجهم في المجتمع. والأقسى أن نتحدث عنهم على استحياء وهم أحوج ما يكونون الى اعترافنا بهم وبإنسانيتهم!!

أن شعور مجهول الهوية بأن ليس لديه أسرة وحرمانه من والديه يجعله لا يعرف ممارسة التقدير للآخرين ومن الخطير جدا ألا يشعروا بانتمائهم للمجتمع فهذا يقودهم الى الانحراف والجريمة.

الأيتام بيننا:

ذكر موقع أمان الإليكترونى عن جريدة الشرق الأوسط أن مدن المملكة سجلت خلال عام 2002م ما مجموعه 278حالة، حسب سجلات الأمن العام ووزارة الشؤون الاجتماعية من الأطفال الرضع اللقطاء الذين بلغت أنباؤهم إلى الجهات الرسمية. غير أن هناك من يشير إلى حالات أخرى من اللقطاء لم تصل كبلاغات رسمية للجهات المختصة، بعد أن تكفلت بعض الأسر برعاية بعضها.

إن عدد الأطفال مجهولي الهوية في تزايد هذا ما أفاد به الدكتور إبراهيم الجوير، لجريدة الجزيرة حيث قال: (أنه خلال العشر السنوات الماضية، ارتفعت نسبة اللقطاء بشكل لافت للنظر، ففي زيارتي الأولى لدور رعاية الأيتام قبل 12سنة كان 75% من سكان الدار من الأيتام الذين فقدوا أحد الوالدين، أما عند زيارتي الأخيرة للدور وجدت أن 96% منهم من فئة اللقطاء، وهذا يدل على عوامل استحدثت في مجتمعنا من ضمنها الفساد وانتشار الرذيلة، لدى بعض أفراد المجتمع، بالإضافة إلى وجود العمالة الوافدة والمتخلفين بشكل كبير، وظهور الفضائيات، وسهولة الاتصالات وكثرة سكان المدن، وانتشار المخدرات والمسكرات بين الشباب، وضعف الوازع الديني)

كما أن ذات الصحيفة ذكرت أن مدير الطوارئ بمستشفى الولادة والأطفال الدكتور عبد الله الشمراني، أشار إلى أن المستشفى يستقبل الأطفال اللقطاء من الأحياء التابعة للمستشفى، حسب تعليمات الجهات المختصة، وأوضح أن عدد الحالات غير ثابت، ولكنه على أي حال يتراوح في المتوسط بين 4و 6حالات شهرياً.

والسؤال هنا أليس هذا الارتفاع حرياً بأن يكون هناك فضلا عن العلاج للتزايد رعاية خاصة للموجودين منهم،وهذا ليس تقليلاً من مجهودات وزارة الشؤون الاجتماعيةوإنما تطلع لرعاية تختلف عن العطف أو الحماية الزائدة.

إن وجود مجهولي الهوية بيننا يحتاج الى حملة إعلامية قوية تساهم في تنمية شعورهم بالانتماء لمجتمعهم وتساعد المجتمع على قبولهم والاعتراف بحقوقهم.

القضية ليست أن نعطف عليهم بل أن نحترم حقوقهم.

أين يجد الأيتام مسكناً؟:

ذكرت جريدة الوطن في عددها الصادر في يوم 2004/10/3م على لسان وزير الشؤون الاجتماعية د. علي النملة (أن هناك أيتاما لا يزالون في المؤسسات حتى ينتهوا من دراستهم ومن ثم تسعى الوزارة لقبولهم إما في الجامعات أو بإيجاد وظيفة مناسبة لهم حسب قدراتهم العلمية والعملية، وقال بأن الوزارة تسعى لتقديم سكن للأيتام لكنها لا تستطيع تمليكه لهم،و أن عدد الجمعيات الخيرية المنتشرة في المملكة بلغت 250جمعية، وكشف أن عدد الذين ترعاهم الجمعية داخل مدينة الرياض حتى الآن يبلغ 11783يتيما ويتيمة،)

ترى ما هي أسباب عدم مقدرة الوزارة تمليك مجهولي الهوية السكن؟!

أوليست الدولة تمنحهم قطع أراضٍ أم أن الوزارة لا تعلم أن عددا منهم يدفعون المال ليحصلوا على هذه الأراضى أو أن بعضهم يبيعها الى آخرين لعدم إدراكهم لقيمتها، أو لأنها بعيدة جدا ولا يستطيعون بنيانها!!.

لست اتهم أحداً ولكن على الوزارة أن تتابع عدالة توزيع الأراضى للأيتام حتى تصل الحقوق الى أصحابها والله تعالى يقول "{وآتو اليتامى أموالهم ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم}.

كما أن بعض مجهولي الهوية لا يستطيعون الحصول على سكن مناسب في حال وقوع أي حادث لمنزلهم كالحريق؟

أين تذهب التبرعات التي نقرأ عنها عبر صحفنا؟!

ولماذا لا يكون هناك وقف لمجهولي الهوية كما مشروع الوقف الذي نشرت عنه جريدة الشرق الأوسط في عددها الصادر في 21أكتوبر 2004م؟

حين رعى صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن عبدالعزيز أمير منطقة الرياض حفل جمعية الأيتام (إنسان) السنوي وتبرع وابناؤه وأحفاده بمليوني ريال بمناسبة انشاء وقف خيري يعود ريعه للجمعية. وفتح الأمير سلمان باب التبرعات، لتبلغ حصيلتها نحو 25مليون ريال؟!

أين أهل الخير عن مجهولي الهوية أو ليسوا كالأيتام؟

بل هم في معاناتهم اقسى بكثير حيث يجاهدون ليعترف المجتمع بهم ولا يحاسبهم على خطأ لم يرتكبوه!

جهود القطاع الخاص:

نشر الموقع العربي لشبكة الأخبار CNN في 2004/6/22م أن مصادر مصرفية سعودية أكدت رصد أكثر من 40مليون دولار خلال العام الجاري من عشرة بنوك محلية للمساهمة في دعم 262جمعية خيرية واجتماعية مختصة في العمل الإنساني والاجتماعي والخيري في المملكة.ويشكل المبلغ المرصود حتى الآن زيادة تُقدر بنحو 30في المائة عما تم جمعه خلال العام الماضي.

نحن مجتمع خيّر والناس فيه يقبلون على فعل الخير لكن نصيب فئة مجهولي الهوية غير واضح وذلك لأن المجتمع ما زال ينظر إليهم بعين اللوم على خطأ لم يقترفوه وليت الوزارة تكثف جهودها التوعوية لتنوير المجتمع بتقبل مجهولي الهوية لأنهم جزء لا يمكن فصله عن المجتمع ولأنهم بحاجة الى الإحساس بهذا القبول.

وهناك من يعاني منهم من صعوبة تأمين المستلزمات والاحتياجات الشخصية مثل إيجار السكن وأمور الزواج والسيارة،المعروف انهم يعيشون في الدور بشكل جماعي وهذه التربية الاجتماعية لها سلبياتها حيث لا يتعلمون حدود الملكية ولا يخرجون الى الحياة صلبين فقد اعتادوا أن تلبى رغباتهم وتوفر احتياجاتهم ولا أدل من التدليل مصروف اليتيم الواحد شهريا 600ريال وقد قلص فيما بعد الى 300ريال

لكن المهم أن تدرك الوزارة أن إعطاء اليتيم هذا المبلغ الشهري يجعله فيما بعد لا يستطيع التأقلم مع الحياة خارج الدور حيث الالتزامات والمسؤوليات خاصة وان كثيراً من الأيتام يتصفون بتدني المستوى التعليمي في الغالب وهذا يكون سبباً في صعوبة الحصول على الوظيفة المناسبة.

صرخات بلا صدى:

وصلتني عدة رسائل من ذوي الظروف الخاصة مجهولي الهوية تتحدث عن معاناتهم بعد دخولهم الحياة العملية اخترت إحداها تقول فيها صاحبتها:

(أتمنى أن اعرف من أين نحصل على هويتنا التي تمنحنا الحق بأننا بشر ولنا حقوق مثل الآخرين ولا بد أن نحصل عليها أقربها للذكر إننى عندما أريد إدخال هاتف في مسكني يقال لي أين أخوك أو أبوك من أين آتى بهما.... لو كان لي حقوق معترف بها تعمم على الدوائر الحكومية لما انتظرت الى أن ابقى لوحدي لاقول للموظف أو الموظفة أن لي ظروفاً خاصة لو كان لي حقوق معترف بها لما رمى بي عندما احترق بيتي على الجمعية الفلانية أو المؤسسة الخيرية أو الضمان وغيرها من القطاعات التي نعلم والكل يعلم بأنها لم توجد إلا لمن ليس لديه القدرة على العمل كالمسن أو المطلقات والأرامل وغيرهم.

أليس لي الحق بان املك بيتا يحميني من غدر الزمان أليس لي الحق أن اعمل لكي اغني نفسي وأطفالى عن الحاجة، ولأنني متزوجة فإنه لا يحق لي أن أطالب بحقوقي وكأن كل جريمتي أنني لست مطلقة أو أرملة وبالتالي تقفل أبواب العون في وجهي......)

هذا جزء من معاناة امرأة كل ما تريده أن تعتمد على نفسها لتعيش دون الحاجة الى اللجوء الى الجمعيات لطلب النقود. عندما يشير الوزير النملة إلى أن مخصصات الشؤون الاجتماعية بلغت العام الماضي نحو 80مليون دولار، كما أن الجمعيات الخيرية توزع اكثر من 26.6مليون دولار من خلال نحو 279جمعية ومؤسسة خيرية وان الجمعيات الخيرية ازداد خلال أربع سنوات عددها من 156إلى

256.فان ذلك لا يعني أن مشكلات ذوي الظروف الخاصة قد حُـلَّت فهناك فرق بين أن اقدم الإعانة وبين أن اصنع إنسانا سويا يعتمد على نفسه.

وإلا كيف تتجسد معاناة مجموعة من ذوي الظروف الخاصة يعيشون على معونة شهرية لا تكفي متطلبات الحياة وكيف نفهم أن بعض النساء يعشن في ظروف غير سوية وبيئة خصبة للانحراف مثل التي تسكن مع طليقها مدمن المخدرات في بيت واحد ولا تستطيع الوزارة أن تقدم حلولا عملية لوضعها. ورجل آخر لديه سبعة من الأبناء أمنوا له وظيفة براتب ألف ريال وكلما احتاج مد يده ليطلب أعطوه ألفاً وخمسمائة او ألفي ريال.

مبدأ الإعانة هنا مرفوض وعلى الوزارة أن تغير بالفعل هذا النمط من التعامل الذي لا يمت بصلة الى العمل الاجتماعي السليم.

أين متابعة الوزارة لحالات مثل الذي ذكرت وكيف تتخلى عنهم وتكتفي بالإعانات حين يطلبونها وهي من ابتدأت معهم الطريق مذ كانوا أطفال اًبلا أهل ولا مأوى؟!

مشكلة الوزارة انه ليس لديها استراتيجية واضحة في رعاية مجهولي الهوية. الوزارة تمدهم بفائض من المال طالما هم في الدور وتعين بعض اللقطاء لديها للعمل وهي بذلك لا تمنحهم فرصة الاندماج في الحياة العامة وكأنها تحميهم من الحياة.

كما أن التجارب الجديدة لا يعلن عن نتائجها فمثلا الزواج الجماعي لهذه الفئة الذي تحدثت عنه وسائل الإعلام كلنا لا يعرف هل نجحت التجربة؟ ألم يتضايق الأيتام لان الناس عرفوا انهم لقطاء؟

هل العطايا والهدايا للأيتام في الحفل الجماعي لصالحهم أم أنها تدخل دائرة الإسراف في منحهم دون إشعارهم بقيمة المال؟

قال لي بعض من أرسل لي من ذوي الظروف الخاصة انه لا صلاحيات لدى مكاتب الإشراف الاجتماعي فالوزارة تعمل بانفصال عن الإشراف وكأنه جهة مستقلة عنها. ذهلت فللإشراف الاجتماعي خبرته الطويلة في العمل الاجتماعي الجاد وحين لا تستفيد الوزارة من خبرته فهي تكرس في عملها مفهوم الرعاية السطحي بالاحتواء والعطف دون العمل لبناء الإنسان.