تكمن قوة الرؤية السعودية 2030 في بساطتها ووضوحها، خصوصاً في ذهنية صانع تلك الرؤية. وستكون أكثر وضوحاً عند الإعلان عن برنامج التحول الوطني الذي يتضمن مبادرات كل وزارة ومؤسسة حكومية في صورة مشروعات ونشاطات مستهدفة للخمس سنوات القادمة. بمعنى أخر فإن الرؤية الوطنية هي الاستراتيجية بعيدة الأمد، وأن برنامج التحول الوطني هي الخطة الخمسية متوسطة الأمد. ورغم بساطة الرؤية وسهولة وضع المبادرات (الأهداف) إلا أن هناك ثلاثة تحديات متى استطعنا تجاوزها أو وضع آلية قوية وواضحة لتحقيقها، فإن الوصول الى تحقيق الرؤية الحلم سيكون واقعاً. ويمكن عرض هذه التحديات في التالي:

أولاً:- التمويل

لايمكن تحقيق المبادرات الضخمة التي تضطلع بها كل وزارة بدون آلية تمويل قوية. فمع كل هدف نريد تحقيقة هناك أموال طائلة لتحقيقها. فوزارة الإسكان، على سبيل المثال، ولبناء 100 ألف وحدة سكنية، تحتاج الى تمويل يصل الى 70 مليار ريال سنوياً. وحسب الرؤية السعودية فإن ذلك سيكون من الرسوم وقروض البنوك والقطاع الخاص والمستثمر الأجنبي. وبعيداً عن التمويل الحكومي الذي سيتراجع بتراجع النفط (الذي تهدف الرؤية الى تحييده) فإن البنوك والقطاع الخاص السعودي لن تستطيع توفير تلك المبالغ في ظل ضعف القاعدة الرأسمالية للبنوك وتراجع الودائع جراء انخفاض النفط وتراجع الإنفاق الحكومي، مع الارتفاع المتسارع لأسعار الفائدة. لذا فإن الاستعانة بالاستثمارات الأجنبية مهم جداً للحصول على تمويل أكبر وتقنية أعلى في نفس الوقت. وعلى ضوئه يأتي التحدي الثاني.

ثانياً:- جذب الاستثمارات الأجنبية

لسنا السوق الوحيدة في العالم التي يتنافس عليها المستثمرون الأجانب. فالمستثمر الأجنبي يضخ رؤوس أمواله في البيئة التشريعية الأكثر شفافية وتنافسية، والأكثر انفتاحاً والأسهل في اجراءات تراخيص الأعمال. وهو الأمر الذي لم نصل بعد فيه إلى المستويات المأمولة. لذا فإن أمامنا تحديات ضخمة لاستقطاب الاستثمارات الأجنبية، فمع توقيع الكثير من مذكرات التفاهم مع مستثمرين أجانب فإن الكثير منهم يصطدم عند قدومه الفعلي للتنفيذ بكثير من العوائق البيروقراطية مع مصاعب في البنية اللوجستية والتحتية. لذا فإن الرؤية السعودية 2030 تتطلع الى تبسيط الإجراءات البيروقراطية وانشاء مناطق حرة في حرم المطارات المترامية الأطراف، وسيطال ذلك مركز الملك عبدالله المالي والمدن الاقتصادية. وحسب دراسة ماكينزي فإننا نحتاج إلى 4 آلاف تريليون دولار من الاستثمارات الأجنبية في وقت لم نتجاوز رقم الأحاد في استقطاب الاستثمارات الأجنبية في 2015. ما يجعل التحدي كبير جداً في جعل السعودية ملاذاً مفضلاً للاستثمارات الأجنبية.

ثالثاً:- الأجهزة التنفيذية

وتتمثل تلك الأجهزة في الوزارات والمؤسسات الحكومية والتي تحتاج إلى إعادة هيكلة في بنيتها أولاً قبل تجهيزها للدخول في معترك الرؤية السعودية 2030. فالبيروقراطية السهلة تحتاج إلى أجهزة بيروقراطية كفؤة وفعالة وغير متخمة بالموظفين والأنظمة واللوائح التي تملأ الأرشيف والمتراكمة في ذهنية الموظف الحكومي منذ سنين طويلة. ورغم أن برنامج التحول الوطني مر بورش عمل استمرت لثمانية أسابيع لموظفي الحكومة، فإن التحدي الذي لا يدركه الكثير ممن استعرضوا المبادرات الخاصة بوزاراتهم، هو آلية عمل ال BOT (البناء، التشغيل، التحويل) التي تريد الرؤية تبنيها في تمويل معظم مشروعاتها. ناهيك عن أن ليس لديهم تصور عن حجم التمويل المطلوب في بعض المبادرات، وآلية التسعير والتمويل. مايشير إلى أن تحول المشروعات وتمويلها الى صيغ شراكة محلية-أجنبية وبطريقة البناء والتشغيل ومن ثم التحويل سيكتنفها الكثير من المصاعب في ظل غياب الكفاءات التمويلية والإدارية في الأجهزة الحكومية.

بإختصار، الرؤية السعودية 2030 يمكن تحقيقها إذا استطعنا تجاوز وإزالة العقبات أمام التحديات الثلاث أعلاه. وإلا فإننا قد نصاب بخيبة أمل. لكن الأمل يظل قائماً في التحول الكبير الذي أتلمسه في التعليم العالي للشباب السعودي القادم للعمل بتوثب، وقدرة الحكومة في سرعة إحداث التغيير الذي لمسناه منذ تولي الملك سلمان سدة الحكم.