تشهد العلاقات السعودية التركية تطورا كبيرا ومميزاً وصل إلى درجة تشكيل محور جيوستراتيجي في المنطقة، التي تتعرض منذ سنين طويلة لأزمات ومخاطر متلاحقة، تفرض على دولها التفكير بجدية للخروج من هذه الأزمات الناشبة، وبات الطرفان السعودي والتركي يشكلان توازنا إسلاميا جديدا ضمن التوازنات الموجودة في المنطقة، والتي يلعب بعضها دوراً مشبوهاً، وربما يتحول هذا التقارب إلى أرضية تدفع نحو تحالف إسلامي يمهد لظهور قوة إسلامية متماسكة مؤثرة وفعالة في مستقبل التوازنات الإقليمية والدولية في المرحلة القادمة، لا سيما وان للدولتين تاريخا وثقلا مهماً لا يمكن تجاهله ابداً في كل الحسابات الجيوستراتيجية التي تخص منطقتنا العربية والإسلامية، وزيارة خادم الحرمين الشريفين، الملك سلمان بن عبدالعزيز "حفظه الله" الأخيرة لأنقرة، أخذت أبعاداً مهمة كبيرة في تركيا، فالملك سلمان حرص على زيارة تركيا قبل بداية القمة الإسلامية، التي استضافتها إسطنبول في مؤشر على عمق العلاقات بين الطرفين المهمين، خاصة وانها جاءت بعد زيارة تاريخية لمصر، ذات الثقل العربي الكبير ايضا، والتي نقلت العلاقات السعودية المصرية إلى مستوى جديد ومحسوس ومؤثر.

وإذا توقفنا ملياً أمام العلاقات السعودية التركية، وما تم التوصل إليه من تحالف بين البلدين نرى أن هناك فوائد جمة لكلا الطرفين، انطلاقاً من عملهما ومصلحتهما في استقرار المنطقة، ناهيك عن مكانة وحجم وثقل الدولتين، فالمملكة بحكم موقعها الإستراتيجي وثقلها العربي والإسلامي والاقتصادي، تمثل المركز الأهم في القرارات التي تخص المنطقة والعالم الإسلامي، في حين تعد تركيا من الدول القوية في المنطقة عسكريا واقتصادياً، ناهيك عن العلاقة التاريخية التي لا يمكن إغفالها في العلاقات بين الرياض وأنقرة.

وهناك قناعة واضحة لدى الكثير ممن يتابعون أوضاع المنطقة، أن البلدين يحتاجان إلى بعضهما أكثر من أي وقت مضى، فتركيا تحتاج إلى السعودية ودول الخليج، من منطلق أن هذه دول مستقرة، وتستطيع أن تتشارك مع تركيا في السعي لاستقرار المنطقة.

كما ان العلاقة مع المملكة والخليج عامة من شأنها أن تقوي مشروعها الاقتصادي الطموح، خاصة عندما يتعلق الأمر بالاستثمارات السعودية والخليجية التي أصبحت تشكل دخلاً مهماً في الاقتصاد التركي.، لاسيما في الصناعة وماعرفت بها تركيا من اكتفاء محلي في انتاجها الصناعي المتنوع.

كما أن المملكة العربية السعودية تنظر إلى تركيا كشريك تجاري مهم وقوة إقليمية في المنطقة، ويمكن لها أن تلعب دوراً مع السعودية في استقرار المنطقة وحمايتها من التدخلات الأجنبية، خاصة وان تركيا تمتلك جيشاً قوياً وترسانة أسلحة متنوعة وقوة بشرية لا يستهان بها.

واذا ما أخذنا بعين الاعتبار محاولات التوسع الإيراني الاستفزازي في المنطقة، فإنه من الممكن جداً القول إن تحالفاً كهذا بين تركيا والسعودية، من شأنه ان يخلق توازناً ضروريا لاستقرار وأمن المنطقة، في ظل التهديدات التي تواجهها ولا سيما، موجة الإرهاب المستشرية في العالم بشكل عام والمنطقة خاصة، والتي أصابت بشررها الدولتين على السواء.

وهذا من شأنه ان يسهل على البلدين ترجمة مشروع سياسي مشترك كبير وهام ومؤثر. خاصة أن التمدد الإيراني في المنطقة يشكل إزعاجاً، ليس للسعودية فحسب، بل حتى لتركيا أيضاً.

ومع أن مثل هذا التحالف الكبير المهم، يستطيع أن يقف سداً منيعا وقويا وصلبا في وجه السياسات الإيرانية التوسعية، إلا انه أيضا قد يمهد السبيل لولادة حلف إسلامي جديد لمحاربة كل أشكال الإرهاب والتطرف والتعصب والغلو ومحاربة التأجيج الطائفي بالمنطقة.

والمملكة بقيادتها الحكيمة التي تنتهج الفكر الجديد في سياستها الخارجية، القائمة على بناء مصالح وعلاقات وشراكات مع دول العالم، تتجه إلى تركيا بعقل متفتح ونقي وواضح ونوايا حسنة لخدمة المنطقة، ورغبة في تأسيس علاقات جديدة بينها وبين تركيا، تستند الى القواسم المشتركة التي تجمع بين البلدين ولصالح الشعبين المسلمين.

ناهيك ان تركيا لها مواقف إيجابية مميزة، فهي دعمت عاصفة الحزم بقوة وعلانية وصراحة، وانخرطت في مشروع التحالف الإسلامي ضد الإرهاب بجدارة، الذي تقوده السعودية.

كما أنها ترى أن إيران أصبحت أكثر عدائية في المنطقة، بعد توقيعها الاتفاق النووي مع الولايات المتحدة.

والمملكة في تحركها السياسي على أعلى مستوى، ممثلة في الزيارات الملكية الرسمية، تؤكد مواقفها الواضحة والصريحة والعلنية وفي هذه الفترة بالذات أنها دولة سلام واستقرار وتنمية وبناء، وأن مشروعها المهم، هو ضمان أمن واستقرار المنطقة العربية والإسلامية، والانفتاح على العالم في بناء مصالح قوية وشراكات استراتيجية تهدف إلى خدمة الشعوب، وتقديم الاقتصاد على السياسة.

والحقيقة انه لا يمكن أن نقرأ ماهية التقارب السعودي التركي في إطاره العسكري والاقتصادي فقط بل علينا أن نضعها في سياق وعي جديد وعقلية انفتاحية جديدة ولدت في تركيا وفي السعودية بضرورة التقارب والتناغم على كافة المستويات، وأنه حان الوقت لكي يتطور هذا التقارب إلى تحالف استراتيجي في خطوة أولى نحو تشكيل ما يسمى بالتحالف الإسلامي.