لم يتعرض مجتمع عربي لسيل من المعلومات وتركيز مكثف إخباري ودرامي مثل المجتمع السعودي، فمنذ بداية التسعينيات والقنوات الفضائية العربية ترتب بث برامجها على التوقيت السعودي، وتستهدف الوصول للذائقة وقناعة السعودية، تحت اسباب عدة منها أن السوق الاعلاني السعودي كبير جدا، وكسبُ عددٍ من الجمهور هنا يضمن الحصول على نسبة معقولة من الإعلانات، ومن جانب آخر هناك العامل السياسي فبعض الدول التي لا تتفق سياسياً مع المملكة تتجه للاستثمار في الإعلام وشراء قنوات وبرامج سياسية موجهة للشعب السعودي بهدف خلق حالة شرخ بين الحكومة والشعب وقد فشلت كل تلك المحاولات بسبب انكشاف أهدافها..

من خلال هذه التجربة الفريدة نستطيع أن نصف المجتمع السعودي بانه مجتمع إعلامي من الدرجة الأولى، فتجربته مع الإعلام في هذا العقد اختلفت عن تجربة التسعينات، فلم يعد جمهوراً مستهلكاً يبحث عن قنوات تهرب به بعيداً عن قنواته المحلية، بل أصبح ناقداً وموظفاً جيداً للمضامين التي يتلقاها لدعم قناعاته الفكرية، إضافة لوجود تيار فكري ديني شديد الحرص على ممارسة دوره كقائد رأي ولديه طموحات ايدولوجية يريد فرضها على الناس، فأصبح لدينا جمهور تم تدريبه بشكل غير مباشر على رصد المواد الإعلامية، ينقسم إلى قسمين قسم يعمل بصورة مناقضة لعمل التيار الفكري، وآخر تابع له ومبرر لخطاباته الإقصائية..

دراسة الجمهور السعودي على قاعدة القضايا المطروحة دراسة لازالت غائبة، على الرغم من أهميتها بعد أن تحول جمهورنا من جمهور وسائل إعلام إلى جمهور قضايا جدلية، ودخل عالم السوشيال ميديا بتجربة إعلامية مكثفة الحضور، فالجمهور السعودي سهل استدعاؤه إلى الدخول في جدل حول القضايا الصعبة ولكن من الصعب إجباره على تأييد فكرة محددة، جمهور يبحث عن النقاش ولكنه يرفض التوجيه، جمهور فرض نفسه على الساحة الإعلامية العربية، بتجربة ومتابعة ونقد واستهلاك يصعب تجاوزه عند التخطيط الإعلامي في جميع الفضائيات العربية التي تريد الوصول للجمهور السعودي، إلا ان الاستثمار الفعلي لضخامة هذا الجمهور والاستفادة من كمية الزمن الإعلامي الذي يحتفظ به، بعيدة جداً عن عيون صانعي الاستراتيجيات الإعلامية الوطنية، الذين يرون تبعية الجمهور لقنواتهم تبعية هوية وحسب وليس مشاركة في قضية وخطاب، وهو الجمهور الذي أتعب أغلب التيارات الفكرية الإقصائية وفضح الخطاب الإعلامي الخارجي الموجه له، بخبرة إعلامية لا يملكها المسؤول الإعلامي أحياناً.

نحن أمام جمهور تفوق على إعلامه وخلق توجهاً وطنياً قوياً تستشهد به أغلب القنوات الأجنبية، فهذه القنوات المعادية عرفت قوة جمهورها وتشابكت معه بأكثر من معلومة وخبر، فالرأي العام السعودي هو من أكثر التوجهات نمواً وحضوراً، وهو القادر على مخاطبة الإعلام الخارجي بقوة ووطنية لا تتوفر عند غيره.