يجتمع منتجو النفط بما فيهم دول من خارج أوبك في الدوحة لمناقشة تجميد النفط، وليس خفضه. وهو اجتماع أثره السياسي أكبر من أثره الاقتصادي، لأن مسألة تجميد الإنتاج هي مسألة يمكن الاتفاق عليها إعلامياً ومن خلال الزيارات الثنائية، بدلاً من اجتماع موسع، وذلك لصعوبة تنفيذها والالتزام بها، خصوصاً وأن إيران مازالت خارج اللعبة. فهي لا تريد التقيد بأي التزامات بعد السماح لها بالعودة للتصدير، وفي نفس الوقت أصبحت روسيا تتحدث عن إيران، وكأنها تمثلها في اجتماع الدوحة القادم. إذ أعلنت روسيا أن إيران لن تخضع لمسألة تجميد الإنتاج. وفي نفس الوقت أعلنت إيران أنها لن تحضر ذلك الاجتماع، وعلى لسان ولي ولي العهد السعودي، فإن معركة النفط ليست معركتنا، إذ ان السعودية حزمت أمرها في التعامل مع أي أسعار نفطية، فبرامجها القادمة لا تحتاج الى أسعار نفط مرتفعة. وبالتالي فإن الرسالة واضحة قبيل الاجتماع، فهي تعزز الموقف التفاوضي للسعودية، وتعلن أنها لن تبذل جهدا أكبر مما تمارسه الآن سواء حضرت إيران أم لم تحضر، وسواء التزمت روسيا بتجميد الإنتاج أم لم تلتزم، فكل ماعلى المملكة هو الحفاظ على انتاجها عند 10.4 ملايين برميل في اليوم. وأن الشرط الوحيد الذي سيتوقف عنده إنتاج المملكة النفطي في حدوده الحالية هو إجماع أوبك وروسيا على ذلك.

أكتب هذا المقال قبل يوم من الاجتماع، وقد ينشر بعد يوم من الاجتماع المحدد يوم 17 أبريل الحالي، مايجعل التوقع بنتائج الاجتماع أمرا سهلا، خصوصاً وأن وسائل الإعلام نقلت وجهات نظر أهم ثلاث دول في معركة النفط (السعودية، روسيا، إيران). وبالتالي فإن السوق سيتفاعل مع الاجتماع لقراءة مستقبل حساسية العلاقة بين هذه الدول الثلاث تجاه التعاون النفطي. وفي اعتقادي أن تدخل روسيا، ونجاحها في عقد قمة خارج أوبك، هو انتصار لها في زحزحة تأثير أوبك في عالم النفط، خصوصاً وأن السعودية لم تعد بحاجة الى استخدام تأثيرها داخل أوبك، بعد تبنيها معركة حصص السوق وليس الأسعار. لذا فإن اجتماع الدوحة يشكل علامة فارقة في تاريخ أوبك وفي السياسة النفطية السعودية، حيث انها تؤكد الان أن السوق النفطية ستترك لقوى العرض والطلب، وأن أسعار النفط لم تعد تحت سيطرة أوبك أو أي دولة منتجة أخرى. وللتاريخ فإن السعودية التي قادت أوبك لسنوات طويلة في تبنيها دور المنتج المرجح في الثمانينات، وتبني الدفاع عن نطاق سعري منذ تسنم وزير النفطي الحالي علي النعيمي لحقيبة النفط السعودية، تعلن بوضوح في قمة الدوحة أنها مع اتفاق الجميع الذي لن يحدث. بمعنى آخر، فإن المملكة هي آخر من سيلتزم بأي اتفاق لأعضاء أوبك وروسيا في رغية منها في عدم الخروج من الاتفاق الجماعي.

واذا كان تفسيري لموقف المملكة صحيحا فكيف سيكون تأثير ذلك على أسعار النفط؟

وللإجابة على ذلك السؤال فإن من المهم تسليط العين الأخرى على تطورات إنتاج النفط الصخري الذي يبدو أنه يخسر المعركة كلما زاد أمدها، فمنصات التنقيب عن النفط والغاز انخفضت خلال عام من الآن بنسبة 50% الى 440 منصة فقط. مع تراجع كبير في حجم الاستثمارات النفطية المستقبلية في هذا النوع من الاستكشاف. ما يعطي إشارة الى أن أول الخاسرين المتوقع خروجهم من معركة النفط هم منتجو النفط الصخري. ومع خروجهم التدريجي سنشهد ارتفاعا تدريجيا في الأسعار قد يحد من جموح ارتفاعه فقط عودة النفط الإيراني إلى الأسواق، والذي يعني أن التوقعات بوصول أسعار النفط الى مستويات ال 60 دولاراً خلال العام الحالي أمر محتمل جداً، خصوصاً إذا تراجع مخزون النفط الأميركي، وتحسنت مؤشرات النمو في الصين وأوروبا. وإذا تحقق هدف النفط 60 دولاراً خلال هذا العام، فإن العوامل الفنية التي تحد من زيادة الإنتاج في روسيا والسعودية كفيل بدفع الأسعار إلى أعلى في 2017، خصوصاً وأن النفط الصخري سيكون حذراً في ضخ المزيد من الاستثمارات في هذا القطاع. وبهذا السيناريو يمكن أن تنجح المملكة فعلاً في تحقيق أهدافها المرجوة وتحقيق أكبر الانتصارات في هذه المعركة التي يبدو أنها لن تحسم إلا بعودة أسعار النفط فوق 80 دولاراً للبرميل وهو الرقم الذي يصعب التنبؤ بتوقيته.