يعد طامي بن شعيب المتحمي، أحد أشهر أمراء عسير في القرن الثالث عشر الهجري، إبان عهد الدولة السعودية الأولى، استلم إمارة الإقليم بعد وفاة ابن عمه عبد الوهاب بن عامر «أبو نقطة» المتحمي الذي قتل في معاركه مع الشريف حمود بن محمد بن أحمد الحسني المشهور ب»أبومسمار» أمير المخلاف وذلك في يوم الاثنين السابع والعشرين من شهر جمادى الأولى من عام 1224ه الموافق لعام 1807م، وكان بين «أبونقطة» أمير عسير والشريف حمود أبو مسمار أمير المخلاف خلافات حادة وتنافس محموم على السلطة كلُ في إقليمه وقد عرف عن «أبو نقطة» شجاعته وتمرسه في الحروب والمعارك التي لطالما عاد منها مظفراً في حين عرف الشريف حمود أبو مسمار بثباته ودهائه السياسي، وكان لعبدالوهاب حروب طويلة انتصر في الكثير منها، بيد أنه في هذه المعركة مع الشريف حمود فوجئ بهجوم مباغت من قبل فرقة تسللت نحو معسكره تمكنت من قتله ليستلم الإمارة من بعده ابن عمه طامي بن شعيب.

تصدى للجيوش الغازية وقدم أصدق صور التلاحم والبطولة في معارك الجنوب

إمارة الجيوش

بعد مقتل عبدالوهاب أبو نقطة اجتمعت قيادة قواته في هيئة استشارية جمعت العسيريين وقيادات الجيش مثل غصاب العتيبي ومحمد بن مقرن وحشر العاصمي وذلك لحين صدور قرار من الدرعية لاختيار أمير جديد كما ذكر النعمي في "تاريخ عسير"، وبعد أيام ورد الرد من الإمام سعود بن عبدالعزيز الذي بعث إلى العسيريين رسائل يعزّيهم فيها بوفاة عبدالوهاب ويشكرهم على جهودهم وحسن تدبيرهم، مختتماً خطابه بقرار تعيين طامي بن شعيب المتحمي خلفاً لابن عمه عبدالوهاب أبو نقطة كما ذكر البهكلي في "نفح العود"، وقد استمرت إمرة طامي زهاء ست سنوات منذ توليه الإمارة في هذا التاريخ إلى حين أُسر من قبل قوات "الباشا" آواخر شهر جمادى الأولى من عام 1230ه الموافق لشهر مايو/ أيار عام 1815م، بعد حروب ومعارك ضاريه قدم فيها طامي والعسيريون عامة أروع وأصدق الملاحم التي كبّدوا فيها الجيش الغازي خسائر متعددة ومتعاقبة، لاسيما في تلك المعارك التي سبقت معركة بسل الشهيرة.

مقاومة الحملات

كان محمد بن عامر (أبو نقطة) من عشيرة ابن حسن إحدى العشائر القبلية لربعة ورفيدة الكبيرة في عسير هو أول أمير لإقليم عسير من أسرة آل متحمي وكان قد قاد عدة حروب ومعارك بعد أن بايع الإمام عبدالعزيز بن محمد بن سعود وأثناء عودته من الدرعية لعسير توفي – رحمه الله – بمرض الجدري فخلفه شقيقه عبدالوهاب بن عامر (أبو نقطة) المتحمي الذي كان أحد أبرز أمراء الدولة السعودية الأولى في عسير والذي قتل في معركة له مع الشريف حمود أبو مسمار ليخلفه ابن عمه طامي بن شعيب الذي أسر ليخلفه ابن شقيقه محمد بن أحمد المتحمي الذي واصل مقاومته ضد حملات الباشا وتحالف مع الشريف حمود أبو مسمار ووزيره العلامة الحسن بن خالد الحزمي وبعد معارك كر وفر قدم فيها العسيريون وجيوش المخلاف صورا من الصمود والممانعة استطاعت جيوش الباشا بعد حملات مستمرة ودعم متواصل من قبل محمد وعبر قيادات متعددة الاستيلاء على أبها بعد مقاومة عنيفة من قبل علي بن مجثل ثم استولت على أحد رفيدة وجبل شكر حيث قتل الوزير العلامة الحسن بن خالد الحازمي في الثالث والعشرين من شهر شعبان عام 1234ه 1819م، ليتراجع سعيد بن مسلط إلى النواحي الغربية في عسير كما يذكر محمود شاكر لتتقدم جيوش الباشا نحو مدينة طبب عاصمة أمراء آل متحمي وتستولي عليها وتأسر محمد بن أحمد المتحمي وابنه مداوي الملقب ب(دواس) لترحيلهما إلى مصر كما ورد ذلك في رحلة المبعوث البريطاني سادلير.

ويذكر المؤرخ علي عوض آل قطب في (الأمراء اليزيديون) أن آخر أمراء آل متحمي حين كان في مصر نظم قصيدة شوق وحنين للمقاومة الباسلة في جبال عسير وجنوب الجزيرة العربية ويتذكر مرابع وجبال ووهاد عسير وهو يقول:

سقى اللهُ أوطانًا تحفّ بتَهلُلٍ

منازل حلّتها مفيدٌ وعلكمٌ

وقيسُ بن مسعودٍ وبكرُ بن وائلٍ

وقحطانُ فيهم نخوةٌ وحميّةٌ  

ويقول فيها:

ألا أيها الركبُ اليمانون وقّفوا

إذا جئتمُ الوادي المنيع بتيّةٍ

إلى طببٍ حيث الصوارمُ والقنا

ولي عندكم لو تعلمون وديعةٌ  

لآلئُ عقدٍ شتّتَ الدهرُ شملَها

وجاد عليها بالحَيا المتراكم 

ومالكُ والأحلاف من عهد آدم

وأكرمْ بشحبٍ في ذراها وظالم 

وشهرانُ هم أهل الحجا والعزائم

لأُصحبَكم مني وصيةَ هائم

فعوجوا صدورَ اليعملات الروازم

بأيدي رجالٍ من خيار الأكارم

يقوم بها ذو نسبةٍ في المتاحم

فأضحت فُرادى ما بها كفُّ ناظم

وقصيدة أخرى يقول فيها:

فيا أيها الريح اليمانية أبلغي

بني عمنا مني سلام بلا حصر

فجسمي بمصر والفؤاد لديهم

ودمع العيون بل تسكابه حجري

فلولاهم ماحزني البين والنوى

فإني على ضيم الزمان لذو صبر

وبوفاة محمد بن احمد المتحمي تنتهي إمارة آل متحمي ويعود اليزيديون لاستلام رأيه المقاومة من جديد ضد جيوش محمد علي حيث يتمكن سعيد بن مسلط وعلي بن مجثل من استلام زمام الأمور بالتتابع لإبعاد جيوش الباشا عن البلاد، والحال نفسه يأتي حيث يستلم أمراء آل عائض زمام الأمور بعد علي بن مجثل ليعيد التاريخ نفسه حيث يحافظ آل عائض على منعة عسير ويُأسر منهم الأمراء والأميرات حيث كانت فاطمة بنت عائض بن مرعي إحدى شهيرات نساء الجزيرة العربية اللاتي قاومن حملات الباشا وسطر لهن التاريخ قصائد الفخر والشوق والحنين لبلادها حيث كانت أسيرة في قصة يطول شرحها.

معركة القنفذة

كان طامي وعثمان المضايفي الذي تم القبض عليه بعد أن أرهق جيوش الباشا في جنوب الحجاز وكذلك كان القائد بخروش بن علاس أحد أمراء بلاد زهران وما حولها يكبدون جيوش محمد علي الخسائر من جهة السراة وتهامة غرباً في حين هزم البقوم بمعية غالية البقمية جيش الباشا بقيادة مصطفى بك، غير أن محمد علي وصل بنفسه بمعية أربعة الآف جندي كما يقول "بوركهارت" وفي هذا الوقت كان طامي يتقدم لمهاجمة جيوش الباشا ونقاطه العسكرية جنوب إقليم الحجاز حتى أنه هاجم بحرة عام 1228ه وهنا أدرك الباشا أن طريقه إلى الدرعية لن يكون مأموناً ما لم يدخل عسير لذلك استطاعت جيوشه السيطرة على ميناء القنفذة، إلا أن هذا الأمر استفز طامي فقدم لاستعادة القنفذة في جيش يقدر بقرابة عشرة آلاف مقاتل وفي معركة ضارية استطاع العسيريون بقيادة طامي أن يستردوا هذه البلدة التي تمثل البوابة الشمالية الشرقية لسواحل منطقة عسير، وقد وافقت هذه الأحداث وصول أخبار تفيد بوفاة الإمام سعود بن عبدالعزيز بالدرعية حيث توفي على فراشه بعد معاناة مع المرض، إذ أن وفاته أثرت على جبهات القتال في ساحات المعارك المختلفة حيث عرف بجلده وضراوة قتاله.

معركة بسل

بعد خسارة جيوشه بقيادة مصطفى بك قرب تربة وهزيمته في القنفذة جمع محمد علي قواه وطلب تعزيزات بشرية ومادية حيث وصله قرابة ألف وخمس مئة مقاتل من صحراء ليبيا حيث تشابه طريقتهم القتالية مع المقاتلين السعوديين، كما يقول بوكهارت الذي ذكر بعض أمراء الجيش السعودي في هذه المعركة حيث طامي وبخروش بن علاس وفهاد بن شكبان ومحمد بن دهمان وابن هطامل وقدر هذا الجيش بعشرين ألف مقاتل وقد انضوى تحت قيادة الأمير فيصل بن سعود الذي وصل إلى منطقة "بسل" قرب مدينة تربة بنحو عشرة آلف مقاتل ومعه رجال البقوم الذين كانوا بمعية غالية التي حيك حولها الأساطير ليصبح تعداد الجيش السعودي قرابة ثلاثين ألف مقاتل.

وبعد معركة ضارية استطاع الأمير فيصل بن سعود وأمراء جيشه أن يتقدموا ويوغلوا الزحف نحو سرايا وأجنحة جيش الباشا الذي عمد إلى سحب بعض قواته في مكيدةٍ حربية ليسحب من خلالها الجيش السعودي نحو الأراضي الفضاء بعيداً عن الجبال والمرتفعات وهو ما تم له فعلاً ليتحول مؤشر المعركة لصالح قوات محمد علي الذي كان مزوداً بأحدث المدافع والعتاد الحربي.

جيوب مقاومة

انتهت المعركة بانتصار الباشا وتفرق جيش الأمير فيصل بن سعود ليعود أمراء الجيوش لمواصلة المقاومة كلُ في بلدته، حيث عاد ابن شكبان لبيشة وبخروش لزهران وغامد وطامي لمدينة طبب التي قسّم فيها جيشه لثلاث فرق الأولى بقيادة حوّان العسيري وضعه في قرية الطلحة والثاني في مدينة طبب نفسها بقيادة ابن شقيقه القائد محمد بن أحمد المتحمي الذي ستؤول إليه الإمارة فيما بعد، بينما قاد هو الجيش الثالث ووزعه على الجبال المطلة على مدينة طبب، وفعلاً استطاع في – بادئ الأمر- القائد حوّان العسيري أن يكسر جيش الباشا بعد أن قتل منهم أكثر من ثلاث مئة جندي بيد أن جيش الباشا استطاع دخول مدينة طبب في ظل تفوقه العسكري بعد مفاوضات لتسليم المدينة التي تعرضت لحصار شديد واستبسلت في مقاومة مدافع وجيوش محمد علي ليتم تسليم المدينة ويخرج منها القائد محمد بن أحمد المتحي ابن شقيق طامي -الذي تولى فيما بعد راية المقاومة- وتنتهي الأحداث بأسر طامي بعد أن واصل مقاومته عبر جيوب صغيرة ظلت مطاردة من قبل جيوش الباشا الذي استطاع القبض على طامي بن شعيب بعد أن كان الأخير في طريقه إلى خصمه السابق الشريف حمود أبو مسمار الذي شعر هو الآخر بخطورة الجيش الغازي ليتحالف مع محمد بن أحمد المتحمي الذي خلف طامي في إمارة بلاد عسير لتتقاطع مصلحة الاثنين (الشريف حمود ومحمد المتحمي) في مقاومة الجيش الغازي.

وأمر الباشا بترحيل طامي أما القائد الشهير بخروش بن علاس فقد تم القبض عليه وهو يقاوم تمدد جيوش محمد علي بعد معركة بسل، لكنه قبل ترحيلة، فتك ببعض الجنود الذين كلفوا بنقله وهرب منهم، بيد أنه تم القبض عليه وأمر محمد علي بقتله.

ثبات في الميدان

وصف "بوركهارت" في كتاباته بطولات رجال وأمراء الجيش في معركة بسل كما ذكر صورا من بطولات القائد بخروش بن علاس القرشي الزهراني وقال يصف ثبات العسيريين: "وجدت مجموعات بكاملها من عرب عسير فوق الجبال، قد ربطوا أرجلهم بحبل واحد، وكانوا عند مغادرتهم لأسرهم قد أقسموا جميعاً بالطلاق – وهو حلف شائع بين بعض البادية قديماً يحافظون عليه بدقة- ألا يفروا أمام الأتراك، وأن يعودوا- إذا أمكن أن يعودوا- منتصرين"، في حين وصف طامي من قبل القائد العثماني سليمان شفيق باشا بأنه "يتمتع بشجاعة وقوة عالية" بينما وصفه أحد الرحالة الغربيين بقوله " كان طامي رجلا ذا قوة خلقية عظيمة، وكان قصير القامة له لحية بيضاء طويلة، ينطلق الشرر من عينه" في حين وصفه خليل الرحبي في كتابه "تاريخ الوزير محمد علي باشا" حين وصف جيش الأمير فيصل بن سعود بقوله"وأكبر أعوانه طامي، أحد أمراء العرب، وكان فارساً مناعاً، يتبعه الفرسان الكثيرو العدد، والرجال الزائدة في القوة والعدد" .


شهدت فترة إمارة ابن شعيب كثيراً من الغزوات التي تصدى لها مع أهالي عسير بكل شجاعة

حظي ابن شعيب بثقة أهالي عسير نظير حنكته وقدراته القيادية

قلعة طامي بن شعيب في عسير

إحدى قلاع ابن شعيب في عسير

جانب من قلعة طامي بن شعيب في قرية طبب في الجنوب

منصور العساف