يحتفل العالم في الثاني من إبريل من كل عام باليوم العالمي للتوحد، هذا الاضطراب الذي أكاد أجزم بأنك – عزيزي القاريء- قد سمعت به، إذا لم يكن عن قرب من خلال تجربة شخصية، فعلى الأقل عن طريق وسائل الإعلام المختلفة التي ما فتئت تتناقل الأخبار عنه، وأحياناً بشكل مغلوط.

اضطراب التوحد هو من الحالات القلائل التي يحس فيه الطبيب بعجز علمه في إيجاد حل قاطع لها، طفل يبدو أمامك في كامل صحته وعافيته، ولكن يعيش في عالمٍ لوحده، لا يكاد يعرف فيه أحداً. يكمن العرض الرئيس لمرضى اضطراب التوحد في محدودية قدرتهم على التواصل مع الآخرين، فهم لا يملكون القدرة على التواصل البصري رغم سلامة حاسة البصر لديهم، ويفقدون القدرة على التخاطب مع الآخرين رغم سلامة حاسة السمع لديهم، ثم يتطور الأمر إلى إنكفاء الطفل على ذاته، فيخلق له بيئةً خاصة به لا يشاركه فيه أحد، تأتي بشكل ألعاب محدودة لا يكاد يغيرها، بل ويغضب كثيراً عندما يُجبر على ذلك، وبذلك ينغلق الطفل على نفسه تماماً فيما يشبه السجن الذاتي.   

ولا يوجد إلى الآن سبب واضح يمكن توجيه أصابع الاتهام إليه بالتحديد، هناك نظريات كثيرة تعزوه إلى أسباب مختلفة، لعل أقواها في الآونة الحالية ما يرجعها إلى علاقته بالجينات. وقد ربطته نظريات متعددة في بدايات ظهور الاضطراب بالتعرض لبعض الالتهابات وقت الحمل، أو التعرض لبعض المعادن مثل الزئبق، أوالتحسس من بعض أنواع الطعام مثل مادة الكازيين في الحليب، أومادة الجلوتين في القمح، ولكن الحقيقة أنه لم يثبت من ذلك شيء بشكل قاطع.

ولعل أشهر هذه النظريات هي تلك التي ربطت اضطراب التوحد بالتطعيمات خاصةً تطعيم الفيروس الثلاثي، وقد شاعت هذه النظرية إلى درجة أنها أدت في فترةٍ ما إلى عزوف الأهل عن عمل التطعيمات الأساسية لأطفالهم، ولكن هذا لم يغير في الوضع شيئاً، حيث لم تتوقف حالات التوحد عن الزيادة، بل بدأت حالات الأمراض المعدية التي كانت تغطيها التطعيمات بالظهور من جديد بشكل أوبئة مصغّرة كحالات الحصبة والنكاف.

والحقيقة أنه لا يوجد تحليل مخبري أو إشعاعي محدد لتشخيص التوحد فهو بالدرجة الأولى تشخيص اكلينيكي، يقوم على أساس وجود أعراض وعلامات خاصة ذات صبغة واضحة ومتكررة يتم التشخيص من خلالها، وكل ما يُتداول بأن هناك تحاليل مخبرية خاصة بالتوحد مثل قياس مستويات بعض المعادن في الدم، أو مستويات التحسس من بعض الأطعمة هي ليست حقيقية، والهدف منها تجاري بحت.

كما أنه لا يوجد علاج قاطع إلى الآن لهذه المعضلة، فاتباع أنواع معينة من الحميات الغذائية، أو تناول بعض المكملات الغذائية، أو شرب حليب أو بول الإبل، كل ذلك لم يثبت منه شيء بشكل قطعي، ولكننا نعلم - بما لا يدعو مجالاً للشك - أن التدخل بالعلاج السلوكي في المراحل المبكرة يعطي نتائج جيدة في تحسن الجانب اللغوي والسلوكي لهؤلاء الأطفال.

وأطفال التوحد ليسوا متخلفين عقلياً أو جسدياً كما قد يظن البعض، بل يمتلك الكثير منهم أحاسيس مرهفة، وهم قابلون للتعلم في ظل تلقيهم لبرامج التعليم الخاصة، تبقى المشكلة الكبرى التي يعاني منها أهالي هؤلاء الأطفال أن المراكز التي تقدم هذه البرامج محدودة جداً، وإن وُجدت فهي تتركز داخل المدن الكبرى فقط، مما قد يضطر الكثير من الأهل إلى السفر خارج مدينتهم أو حتى الهجرة خارج الوطن إلى دولٍ مجاورة بحثاً عن هذه المراكز، والتي - للأسف- استغلت هذا التقصير الداخلي لغرضٍ تجاري بحت.

أطفال التوحد يعانون من حبس ذاتي داخلي، ولكن الأشد هو الحبس الخارجي نتيجة عدم تفهم المجتمع لحاجاتهم، وضعف الخدمات التأهيلية المقدمة لهم من وزارات الصحة والتربية.

كان أبو علاء المعري يسمي نفسه برهين المحبسين (العمى والبيت)، ولكنني أجزم بأن مصابه سيخف عندما يتعرف على معاناة (رهيني المَحبسَين الجدد).