التجوال على مخيّمات النازحين السوريين في البقاع اللبناني يظهر عمق المأساة التي تعيشها عائلات سوريّة برمّتها جراء التهجير القسري وشحّ المساعدات، فضلا عن المشكلات الصحية والبيئية وتلك التي يسببها النزوح مع المجتمعات المضيفة وخصوصا بعد مرور أكثر من 5 أعوام على بدء الحرب في سورية.

ولعلّ مخيّم 36 في الدلهمية (البقاع الأوسط) هو نموذج مصغّر عن المعاناة، ففي هذا المخيم المبني من موادّ أولية منها ألواح الخشب والحديد وبعض الحجارة، والذي تغزو أرضه الوحول، يعيش حوالي 800 شخص يتكدسون أقله 12 شخصا في خيم بدائية، تتمتع بعضها بمدافئ المازوت وبقليل من الأدوات المنزلية الأولية وقليل من الطعام الذي يدّخره سكان المخيّم من المساعدات التي يحصلون عليها بشكل متقطّع ومتباعد زمنيّا.

سرعان ما يتبدّى للعيان بأنّ عدد النساء والأطفال في المخيّم المذكور طاغ: أرتال من الأمّهات تحملن أطفالا رضّعا تنتظرن دورهنّ من أجل الفحص الطبي الذي تقدّمه جمعيات إنسانية متنوّعة.

تحمل علياء مصطفى التي هجرت مدينتها حلب منذ 3 أعوام طفلتها فاطمة (7 أشهر) على ذراعيها، تخبر "الرياض" بأنّ لديها أيضا 4 أطفال معوّقين ينقصهم كلّ شيء: الطبابة والغذاء والكساء والتدفئة ويعانون جميعهم من ضعف في عضلة القلب.

تسود المخيّم حاجة ماسّة إلى طاقم من الممرضات وإلى الأدوية وإلى تمويل لبعض العمليات التي لا مجال لإجرائها إلا في مستشفيات بيروت، ويطالب الأطباء الموجودون في المخيم باستقدام أخصائيين نفسانيين لاسيما للنساء اللواتي تراوح أعمارهنّ بين ال18 وال35 عاما.

ويعاني المخيم إلى جانب المشكلات الصحية من نسبة بطالة عالية لدى الشباب، ويعتبر عمّار محمّد من الحسكة أحد النماذج الصارخة. عمّار الذي لا يتجاوز ال17 عاما أوقف دراسته كليا مذ غادر سورية قبل عامين، وهو لا يعلم أنّ ثمّة برامج تعليمية خاصة للسوريين عبر برنامج خاص تديره "اليونيسيف" وتموّله منظمات دولية بالتعاون مع وزارة التربية اللبنانية وقد تمّ تسجيل 200 ألف طالب سوري في المدارس اللبنانية لسنة 2016، ومن المنتظر أن يصل العدد في العام القادم إلى 450 ألفا.

تستقبل تماثيل أحمد العبدالله زوارها في خيمتها المتواضعة، تخبر عن حمص التي غادرتها عنوة بسبب القصف، وتشكو مع جارتها سجى من قلّة الحطب للتدفئة، ومن عدم إعطائهن بطاقات غذائية من قبل مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين بالرغم من أنّ أسماءهن مسجّلة لدى المفوضية. يبدو نجل تماثيل المراهق في حالة من شبه الانهيار بسبب البطالة وقلّة موارد العيش، يرفض التعريف عن نفسه أو الكلام عن حاله. تبدو الأزمة الغذائيّة أساسية، وعلمت "الرياض" من مصادر مفوضية الأمم المتحدة أن ثمة 600 ألف نازح سوري مسجّلين يحصلون على 22 دولار شهريا من البرنامج العالمي للتغذية، لكنّ ثمة نقص كبير في الأموال أدى إلى عدم إفادة 70 في المئة من النازحين السوريين من هذا المبلغ الضئيل.

مشاكل المجتمع المضيف

تحاول بعض الدول المانحة الاستعاضة عن المساعدات العينيّة بتلك التي تفيد منها المجتمعات المضيفة، ويتحدث لبنانيون بقاعيون عن نوع من التوتر الناشئ مع النازحين بسبب منافسة هؤلاء لهم في سوق العمل، ونظرا إلى الأعداد الهائلة التي قدمت إلى لبنان. تعتبر بلدة غزّة نموذجا صارخا؛ حيث تعدّ البلدة 5 آلاف نسمة، في حين أنّ عدد النازحين إليها وصل إلى 30 ألف نسمة. تعاني البلدة من مشاكل عدة منها مياه الصرف الصحي؛ حيث الشبكة المهترئة أصلا لم تعد ملائمة لاسيما في المدارس، في مدرسة البلدة الرسمية مثلا يدرس 450 تلميذا لبنانيا قبل الظهر و750 بعد الظهر. حاول الألمان المساعدة في تمويل شبكة صرف صحي جديدة موصولة على محطة تكرير ما خفّف من الاحتقان المتنامي بين النازحين والمقيمين وساعد اللبنانيين على الصمود.

يشتكي السكان اللبنانيون من أنهم "باتوا يأكلون مع السوريين من نفس الصحن"، وهذه العبارة تطال خصوصا مجالات العمل الضئيلة، ويرفض الأهالي لدى سؤالهم رفضا قاطعا فتح سوق العمل للسوريين بشكل رسمي، يقول أحد المزارعين اللبنانيين بأن اليد العاملة السورية منافسة فعليا في المجال الزراعي؛ لأنّ معظم السوريين يأتون من مناطق زراعية مثل دير الزور والرقة وحمص وسواها. باختصار فإنّ مخيّم 36 في الدلهمية نموذج مصغّر عن معاناة السوريين التي تكبر يوما بعد يوم من دون حلول جذرية وسط مساعدات لا تبدو أنها تفي بحاجة الأعداد المتزايدة من النازحين.


حجم النازحين يفوق الخدمات الطبية المتاحة