يبدو أن وزارة العمل نبشت ملفاتها القديمة ووجدت أن سعودة سوق الخضار كانت تجربة ناجحة، على الأقل في بداياتها. فقررت نقل التجربة إلى سوق الاتصالات الأصغر حجماً، والأكثر تنظيماً، لإعادة التجربة الجيدة لسعودة أسواق الخضار. ولكنها هذه المرة تبدو أكثر استعداداً في تدريب وتطبيق وإنجاح سعودة قطاع الاتصالات، خصوصاً بعد تقدم أكثر من 40 ألف طلب رغبة في التدريب والانخراط في سوق بيع وصيانة أجهزة الجوال، والتي قد تتطور إلى أسواق الكمبيوتر ليس فقط في إصلاحها بل وتجميعها وصناعتها. وزارة العمل التي قفزت في الماضي من سعودة الأسواق والتجارة إلى سعودة الشركات، خصوصاً في عهدي الوزيرين السابقين، أدركت أخيراً كيف أن سعودة الشركات فشلت لأنها أهملت أهم جوانب التوظيف سواء في القطاع الخاص أو الحكومي والتي تتعلق بالدرجة الأولى بالأنظمة والتشريعات التي تهيئ بيئة عمل نظيفة، آمنة، وشفافة، وأجوراً مجزية، وليست مجرد رفع الرسوم وفرض الغرامات وقطع الخدمات. فالأخيرة أنهكت القطاع الخاص، وأعاقت النمو، في وقت كان الاقتصاد المحلي يشهد نمواً قوياً لم يشارك فيه القطاع الخاص كما يجب.

ويبدو أن سياسات وزارة العمل مازالت تمر بتغير المزاج والإدارة، وليس بتبني سياسات استراتيجية واضحة. فمن سعودة الأسواق والرغبة بتحويل أكبر عدد من السعوديين إلى تجار وأصحاب مبادرات، إلى سعودة الشركات بتحويل السعوديين إلى مجرد موظفين، حتى لو كان توظيفاً وهمياً، هي دلالة على التحول الكبير في إدارة مفهوم تقليص البطالة ورفع مستويات التوظيف في الاقتصاد، مايجعل سوق العمل يمر بتذبذبات كبيرة تذكرني بالتذبذب الذي يحصل في أسواق الأسهم، الأمر الذي يجعل من سوق العمل مجرد سوق اختبارات واجتهادات تفشل فيه التجارب وتدفن حية ومعها تدفن أحلام الملايين من راغبي العمل والتجارة. ويبدو أن العوامل التي تدفع كل حقبة وزارية عن الأخرى هي عوامل قد تشاركها فيه بعض الأجهزة الحكومية الأخرى، فمن الهاجس الأمني لوزارة الداخلية، إلى الهاجس الاجتماعي لوزارة الشؤون الاجتماعية، ثم هاجس البطالة الذي يؤرق وزارة الاقتصاد، إلى هاجس تفشي المخدرات والضياع، يجعل وزارة العمل أحياناً رهينة الآخرين في تنفيذ خططها.

إن من المستحسن وقد مرت وزارة العمل بعدد كبير من التجارب وتطبيق الكثير من السياسات، وبدأت بالفعل في تطبيق بعضها، أن تضع خطة استراتييجة واضحة تتمحور حول سعودة الأسواق وسعودة الشركات. حيث تضع خططاً زمنية لسعودة الأسواق مثل الاتصالات، ويساعدها في ذلك هيئة الاتصالات بوضع الأنظمة والتشريعات التي تحكم التوظيف والتشغيل في قطاع الاتصالات، وسوق الخضروات والفواكهة والمطاعم التي يجب على وزارة البلديات تبني تشريعات وأنظمة في هذا القطاع، وغيرها من القطاعات الكثيرة والمتعددة لتحويل السعوديين إلى طاقة منتجة تعمل لنفسها بدلاً من أن تصبح مجرد رقم وظيفي. وفي نفس الوقت تضع أنظمة وتشريعات لتحسين بيئة العمل في القطاع الخاص وقد كتبت عن ذلك مقالاً في هذه الجريدة بتاريخ 19/10/2015 شرحت فيه كيف يمكن تمكين السعوديين من الوظائف وخصوصاً في الشركات العائلية التي تمثل الحجم الأكبر في الاقتصاد، لتكون منافسة وجاذبة للتوظيف كما هو الحال للقطاع البنكي وقطاع البتروكيمياويات الأكثر حرفية وتعقيداً من شركات القطاع الخاص الأخرى.

لذا على وزارة العمل أن تستغل هذا الإقبال الهائل من متقدمين على أخذ فرصتهم في سوق الاتصالات إلى البدء بوضع خطة واضحة يستوعبها قطاع الأعمال والأفراد وخريجو الجامعات والمعاهد المهنية وغيرهم من داخلي سوق العمل. فالكل يبني ويخطط لحياته المستقبلية بناء على ماستقوم به وزارة العمل مستقبلاً، فالجميع ينتظر خطة طريق المستقبل ياوزارة العمل!