الهجمات الإرهابية التي وقعت يوم 22 مارس الجاري في العاصمة البلجيكية بروكسل، هي تمظهرٌ لما يمكن تسميته ب"العنف المعولم"، الذي بات سمة لصعود الأصوليات والتقنية في آن معا، في سياق هذا التسارع الزمني والعلمي، الذي يعطي نتائج متناقضة في آن معا، كما يرى الفيلسوف الفرنسي إدغار موران، في سلسلة محاضرات ألقاها بمكتبة "فرانسوا ميتران الوطنية"، العام 2005، حينها أشار إلى أننا في الوقت الذي "نشاهد إضفاء للطابع الكوني على المجال التقني الاقتصادي، في نفس الوقت نشاهد وجود مقاومات، بما في ذلك عودة الديانات والشعائر المفرطة في الخصوصية". معتقدا أنه "يمكن لبعض الاندفاعات الهائجة أن تجعلنا نفكر أن حرب ديانات، أو حرب ثقافات، بل حرب حضارات مسألة ممكنة".

هذه المواجهة التي يتحدث عنها موران، ليست حتمية دينية، كما يروج لها المؤدلجون، وإنما نتيجة طبيعية لتدافع تاريخي، يتنازع المفاهيم فيه فكران مختلفان حد التناقض. الأول يؤمن ب"الطهرانية"، و"الحق المطلق"، وأنه يمثل القراءة الصحيحة للدين، ويسعى جاهدا لعودة حلم "الخلافة" وتأسيس الدولة الإسلامية وفق رؤيته الأصولية التي لا تقبل التساؤل، فضلا عن الاختلاف. فيما الفكر الثاني، فكر ليبرالي، علماني، يؤمن ب"الإنسان" كقيمة أساسية، وأن العلاقة بين الأفراد تقوم على التعاقد الاجتماعي، واحترام التعدد وحقوق الإنسان، في ظل قيم الدولة المدنية الحديثة وسيادة القانون. وهو ما جعل دولة مثل بلجيكا، تمنح المسلمين فيها، سواء أكانوا مواطنين أم مقيمين أم لاجئين، حقوقهم التامة في العبادة، وحرية المعتقد، وممارسة الشعائر، دون أي إكراه أو تدخل. إلا أن المشكلة تكمن في نظرة رهط من المسلمين في المجتمعات الأوروبية إلى وجودهم هناك، أو علاقتهم بالدولة التي يقيمون فيها، وبالآخر الذي يعيشون معه.

هنالك عزلة في أوساط شريحة واسعة من مسلمي أوروبا، وشعور واهم بالمظلومية، وأنهم مهمشون وتمارس تجاههم عنصرية مقصودة. متناسين الامتيازات الكبيرة التي حصلوا عليها، والمناصب العالية التي وصل إليها مسلمون وعرب وأفارقة، والتي لم تكن تتوافر لديهم في بلدانهم التي أتوا منها.

إن العلاقة مع الهوية الجديدة، هي مسألة غاية في التعقيد؛ لأن هؤلاء المسلمين يمارسون تفكيرا معكوسا في تعاملهم مع بيئتهم التي يعيشون فيها، وكأنها دار عبور، ومحل إقامة مؤقت، يستفيدون منه، كما يستفيد المسافر من محطات الطريق. غير معنيين بالاندماج مع قيمه ومفاهيمه وناسه، بل، يسعون إلى فرض قيمهم التي يعتقدون أن لها التفوق والأفضلية!.

من هنا، تسمع كثيرا عبر وسائل الإعلام، عن "الضواحي المهمشة"، والبطالة في أوساط سكانها، وسواهما من المشكلات التي لا تخص المهاجرين المسلمين وحدهم، وإنما يشترك معهم فيها سواهم حتى من المواطنين الأصليين للبلدان التي يتواجدون فيها. أضف لذلك، أن البطالة والإهمال، حال كائنة هي الأخرى في البلدان التي أتى منها أولئك المهاجرون، وليست واقعا جديدا عليهم. إلا أن المختلف، أنهم في أوروبا، يمكنهم التعبير عن مواقفهم ورفضهم بكل حرية، دون أن يمنعهم أو يقمعهم أحد. من هنا، تحول هذا الفضاء الحر، لساحة للتبرير الممجوج، والبحث عن أعذار مبالغ فيها.

إن التهميش الذي يتحدث عنه فريق من المهاجرين المسلمين، ليس مبررا أو منتجا للعنف كما شاهده العالم في بروكسل، وإنما ما أنتج هذا الإرهاب هو ما يسميه الفيلسوف محمد أركون "الدوغمائية الدينية"، أي تلك الأفكار الأصولية المنغلقة على ذاتها، والتي تشكل مرجعية تاريخية وتراثية لكل فتاوى التكفير والقتل وكراهية الآخر.

"الدوغمائية" التي تتحكم في العقول، هي التي دفعت أصحابها إلى العزلة، وإلى تكوين مجتمعات خاصة لها أعرافها، ومصالحها، ونمط حياتها المختلفة كلية عن البيئة الليبرالية التي احتضنتها ومنحتها فرصة للبدء من جديد في حياة كريمة وآمنة، وفق قانون مدني لا يميز بين عرق ودين ولون. إلا أنه عوض أن تُحترم هذه القوانين، تم العمل على هدمها، بغية إحلال رؤية ذاتية ضيقة بالقوة والإكراه، تحت مسمى "الخصوصية" و"الهوية"، لتكون النتيجة انحطاطا في القيم الأخلاقية والدينية، وإشعال بؤر توتر جديدة، ستقود بشكل مباشر، لمزيد من الصراعات والحروب، والتضييق على قيم الحرية والمدنية، التي اكتسبتها البشرية بعد جهد طويل، وتجارب مريرة.

hasan.almustafa@gmail.com