في مؤتمر لندن لمساعدة سورية الذي انعقد في العاصمة البريطانية في فبراير الماضي، قدّم لبنان ورقة طالب فيها وزير الشؤون الاجتماعية رشيد درباس بأنّ يدرج مخيّم "نهر البارد" بلاجئيه الفلسطينيين ضمن المستفيدين من أموال الدّول المانحة. يقع مخيّم "نهار البارد" في شمالي لبنان، (قضاء عكار)، ويمتدّ كيلومتر وأكثر الى بلدة المحمّرة اللبنانية، وقد تعرض للتدمير الكامل معد معارك دامية واجهت منظمة "فتح الإسلام" والجيش اللبناني عام 2007، وعوض أن يتمّ بناؤه في غضون 3 أعوام كما وعدت منظمّة "الأونروا" الأهالي المهجّرين فإن اندلاع الحرب السورية وجّه أموال المانحين نحو الاستجابة لأزمة النّزوح السوري.

تمّ بناء قسم من المخّيم لا يتجاوز ال40 في المئة، لكنّ زهاء 10 آلاف من سكانه لا يزالون مهجرين، وهم يعانون من تقليص "الأونروا" لخدماتها الطبية والصحية ولدفع الإيجارات. في جولة ميدانية ل"الرياض" في أرجاء المخيّم، يبدو القسم المبني منه ذا مواصفات سكنية مقبولة جدّا: عبارة عن صفّ من البنايات المرتّبة والمؤثثة بشكل معقول وهي تشبه المساكن التي تقطنها الطبقات اللبنانية المتوسّطة.

يبلغ عدد سكان نهر البارد حاليا حوالي 28 ألفا، وتبلغ مساحة المخيّم الرسمي القديم، 198 ألف متر مربع والامتداد السكني هو حوالي كيلومتر مربع حيث بنت "الأونروا" تجمّعات سكنيّة بعد هدم المخيّم الأصلي، وهي ذات حالة مزرية ولا مجال لصيانتها.

أما المخيّم الرسمي اليوم فيضمّ 8 قطاعات، أي حولي 5500 مسكن أنجز منها 4 قطاعات ولا تزال ثمّة 4 قيد التنفيذ أو الإنشاء.

يشعر أهالي "نهر البارد" بنوع من اليأس والإحباط بعدما توقف الإعمار لفترة زمنيّة، بسبب الحرب في سورية وتبدّل أولويات الدول المانحة، ما ولّد لديهم شعورا باليأس. هذا الواقع، دفع بعض أهالي المخيّم الى الهجرة غير الشرعية، وهي لم تكن موجودة قبل 8 أشهر، إذ راحوا من خلال ميناء طرابلس أو عبر اللاذقية في سورية في اتجاه أوروبا.

مستوى الحياة وظروف الحياة الحالية في "نهر البارد" أفضل مما كانت عام 2007 بالرغم من أن بعض المنازل ضاقت مساحتها بشكل ملموس بسبب توسيع الشوارع، وتراوح مساحة المنازل اليوم من 40 مترا الى 113 مترا، والمعدّل المتوسط لعدد العائلات 6 أشخاص.

تقليصات "الأونروا" تسبب مشاكل للسكان

في جلسة مع "تجمع شباب المخيم" وأعضاء "اللجنة الشعبية" اشتكى هؤلاء من وجود 10 آلاف من سكان المخيم مهجرين الى مخيّم البدّاوي، وطلبوا من الدول المانحة ومنها ألمانيا التي زارهم سفيرها في بيروت مارتن هوت أن ينقل الى الحكومة الألمانية أن تكون سخية في دعمها من أجل إعادة إعمار مخيّم "نهر البارد" بالسّرعة الممكنة. واشتكى ممثلو المخيم من مشكلة في الطبابة وفي بدلات الإيجار (يبلغ متوسط بدل الإيجار 250 دولارا أميركيا تسهم الأونروا ب150 دولار منها)، وثمة 1880 أسرة في مخيّم نهر البارد لم تتلق بدل إيجار منذ 6 أشهر.

كذلك أقدمت "الأونروا" على تخفيضات في الفواتير الصحية، وهي تلزم العائلات الفقيرة بدفع 20 في المئة من الفاتورة، وهذا لا يستطيع أن يتحمله السكان وخصوصا بعد أن دمّرت أرزاقهم وممتلكاتهم.

كما أن المخيّم لا يزال ضمن الحالة العسكرية المغلقة، ويطالب سكانه الحكومات الأوروبية وفي طليعتها الحكومة الألمانية بأن تبذل جهودا واسعة من أجل تمكين الفلسطينيين من العمل في شتّى المجالات وإلا سوف يكونون مهاجرين في بلاد أوروبا بحسب ما قال أكثر من شخص فلسطيني ل"الرياض".

كان مخيم "نهر البارد" مركزا تجاريا مقصودا من عكار بأكملها، لكن مجيء النازحين السوريين أثّر على العمل وعلى الوئام بين الأهالي.

حاليا وبسبب تقليص المانحين للتمويل يقترح المهندسون لتوسيع المساحة المبنية رصد أموال لإزالة الردميات التي لا تزال موجودة في المساحات وتحديد أماكن وجود الآثار كما تطلب الدولة اللبنانية، ثم البدء ببناء البنى التحتية، عوض إكمال العمل الناقص في المساحة الخضراء وهذا ما يتطلّب رصد مبلغ 90 مليون دولار أميركي، وبالتالي فإن رصد 20 مليون دولار فورا كما يقترح بعض المانحين كفيل بإعادة البدء بالأعمال الشبه متوقفة، لكن هذا يتطلب موافقة كل المانحين وثمة تعويل على المبالغ الجديدة التي ستصرف من المانحين عبر مؤتمر لندن الأخير.

وأشار أحد المهندسين الأجانب ل"الرياض" بأنّ المملكة هي الدولة العربية الوحيدة التي ساهمت في إعمار المخيّم منذ عام 2007 وهي دفعت مبلغ فاق ال 50 مليون دولار أميركي.

أما المطلوب اليوم لإنجاز كل العمل فهو مبلغ 137 مليون دولار أميركي.

مساعدة اللجوء والمجتمع اللبناني

وبغية تخفيف التوترات بين اللاجئين وأهالي المنطقة عمد بعض الممولين ومنهم ألمانيا الى تمويل مشروعات يستفيد منها السكان جميعهم من دون تفرقة.

في هذا الإطار، حضر سفير ألمانيا مارتن هوت حفل استلام مشروع البرنامج الطارئ لتأهيل مياه الصرف الصحي في المرحلة الثالثة ب216 مليون يورو، وجاء تمويل هذا المشروع ضمن البرنامج الطارئ لمساعدة لبنان عام 2007 على شكل منحة بقيمة 12 مليون يورو، أضيف إليها منحة بقيمة 4 ملايين يورو أعلن عنها عام 2008 بمؤتمر فيينا لإعادة إعمار المناطق التي تضررت في حوادث نهر البارد"، ووقعت الاتفاقية الثانية عام 2009 "

بدأ العمل بالمشروع عام 2010 وانتهت كافة مراحله عام 2015. يتضمن المشروع تشييد خط رئيسي لمياه الصرف الصحي يمتد من حدود مخيم نهر البارد الى محطة معالجة الصرف الصحي طرابلس، أي حوالي 20 كلم، بالإضافة الى إنشاء 3 محطات ضخّ وخطوط فرعية وشبكات تجميع لمياه الصرف الصحي في المناطق المجاورة لمخيم "نهر البارد" وبحنين والمنية ومركبتا. تمّ تنفيذ المشروع من قبل "بنك الإقراض لإعادة الإعمار" عبر متعهدين محليين وإشراف من شركة ألمانيّة، وكان العمل به بالتعاون مع "مجلس الإنماء والإعمار" اللبناني.