أظنّ أن قصيدة «الرياض» التي تصدّرت مجموعة وحيدًا من جهة خامسة الصادرة في العام 2007م من المحطات النوعية والهامة في تجربتي الشعرية فالرياض كمدينة للقصيدة حاضرة بقوة في تجربتي الكتابية.. تدفعني للتنويه إلى أنني (ينبعيّ) النشوة والنشأة معا.. (رياضي) الحضور والتفكير، وبالتالي ظلّت علاقتي بعمتي النخلة وسيدي البحر علاقة وجدانية، في حين جاءت علاقتي بالرياض المدينة دائما علاقة تأملية.. وفي هذا ملمحٌ هام جدا على مستوى تجربتي الإبداعية، فالرياض لن تكون يوما (المدينة الحبيبة) لأنها مدينة الغرباء التي لا تكبر الأعياد في شوارعها، ناهيك عن تطرّفها المذهل في كل جوانبها.. بدءا بطقسها القاري الذي تتباين فيه درجة الحرارة بصورة خرافية تتجاوز الخمسين درجة.. وبالتالي ظلت المسافة بين متناقضاتها جدلاً إبداعياً مستمرّا لا يخلو في بعض الأحيان من الطرافة.. فحين كتبتُ الرياض (الناضجة) في ذاتي في عام 2004م؛ حيث كانت محمومة حينها بالإرهاب.

والطريف هنا أن أول توصيفٍ للرياض المدينة.. ارتبط (بالجوارب) وهي رؤيا مختزلة جدا منذ عامي السادس يوم أن جئتُ للرياض وأنا ابن القرية الينبعية التي لا يرتدي (شيوخها الكبار) الجوارب وفوجئت بالمسنين في الرياض يرتدونها جميعهم أثناء صلاة الفجر، وكان طقسها باردا حينها وظلت هذه الصورة مختزلة، ولم أفسّرها (على الأقل على مستوى الذات) إلا بعد اكتمال هذا النص الطويل وتداوله.. 

إذن الرياض المدينة الأنثى التي لا يتزوجها مقيمٌ ولا يطلّقها عابرٌ.. مدينة جديرة بالقراءة التأملية من جهة ثم إن حضوري الإبداعي جاء منها وبها وإليها دائما من جهة ثانية.. فقد غادرتها أكثر من عشرة أعوام بعد انتهائي من الدراسة فيها.. وظلت دائم-ا تحتضن نشاطي الإبداعي سواء من خلال احتضان جريدة الرياض لي واستمرار تواصلي بها أو من خلال أصدقاء الضوء الذين يحتفون بي دائما كلما زرتها بسبب وجود الكثير من عائلتي فيها.

هي عالم ثري بصدق.. وأنا لا أقدمها عاشقا لها.. لكنني متأمّلا فيها ومؤمنا جدا بقدراتها التكوينية على خلق رؤى ومواقف غاية في الأهمية.. 

وهذا هو النص «الرياض»..

(وعلى المقيمين خارجها مراعاة فارق التصويت)

الرياض التي ترتدي جَوْربًا للشتاء الثقيل، وتنتعلُ الصبح دفئا تقصّى ظلالَ الضحى ...

حدثتني بأن القصيدةَ واقعةٌ بينَ نصْبِ وجزْم

والصديقة ما بين عزمِ وحزمْ..!

قالتِ الساحليةُ: إنّ المسافة ما بين حزن الصدور

و(شِعر) اللِّحى مطلعٌ جاهلي.. !

إذا فال قيافة أن نكتبَ الشعرَ من غير خارطةِ فالخرائطُ لا تعتني بالممراتِ حينَ تغافلها عبوةٌ ناسفةْ

الخرائطُ لا تستعيذ بشمس الرياض ولا تستطيع التكهّنَ بالعاصفةْ..!

كلٌ دربِ يؤدي لمسجدِ جدي..

حينَ جاء أبي بعدَ عمر طويلْ

وأدى بها الظهرَ عصرًا صامَ من دون قيلولةِ قال إن المساجد محدِقَةٌ

والدكاكين مغلقةٌ

واحتقان المجالس فيها رجال يجيئون بالرمد الموسمي....!


النوافذ سيدةٌ من زجاج يراودها البرد عن نفسها ويحيط بها الموت (شِبطًا) تهبُّ على حزنها

حينَ تدخلُها آمن قلبُها والشوارعُ باءتْ بوزْرِ

السويدي....

قلتُ إنَّ المدينة شتويّةٌ حين يشتعلُ الجمرُ جمرا

ويأتي على غفلة من عطاء

الرياضُ إذا تحلقُ الشمس صلعتها كل صيف

وتلسعها جمرة البرد في قلبها في شتاءٍ بلا خيمةٍ

سوفَ تشكو علينا الشتاء..!

الرياض بلا أصدقاء...!

إنها نصف سيدة كحّلت عينها بالنقابِ وراحت تؤدي صلاة الجماعةِ في بيتها...

أقرأت طفلها سورةَ الفتحِ

مدّت يداها تَعَسّسُ جوعَ النجوم

ونامت على (تلّةٍ) من سماء..!

جئتها بعدَ موتِ أبي بثمانينَ عمرًا

ولازال مسجدها قائما بشؤون الدقائق فيها:

منابرها لم تزل أدعيةْ..

غير أن نقاط العبور بها يقظةٌ معديةْ..!

النساء اخترقنَ الغياب وجئنَ بحادثة في طريق القصيدة..!

الشوارع مرسومة فوق شاشات هاتف أنثى

فأحملها في يدي..!

والكتابة تعويذة القادمين إليها يسومونها سوء عاقبة المبصرين

لم أجئها حنينْ

جئتها ذات حين

في مساء حزين

واحتقانٍ دفينْ