ترتبطُ شَبَّةُ النَّارِ في مَوْروثِنا الشَّعبيِّ بالكرمِ, كاحْتِفال ٍيوميٍّ بصوتِ تَطَايُرِ الشَّررِ وهيَ تفرّ ُبِطَقْطَقَتِها كألعابٍ ناريَّةٍ , يَرْتكِزُ على جَالِ ضَوْئِها رُموزُ الكرمِ التي لا يَكْتمِلُ المجلسُ وشبَّةُ النَّارِ إلَّا بِها, كدِلَالِ القَهْوةِ والمِحْماس ِوالنِّجْرِ في صورةٍ جسَّدَها لنا الشَّاعرُ عبدالله فرحان منقرة

بهذه الأبياتِ :

يا عزيز أدن البن لي واشعل النار

واسرف بها يا طيب الفال بالحيل

يجذب سناها أهل المراوات والكار

والنجر في صوته ينادي هل الهيل

فنجالها يجلا عن الكبد الامرار

لا سيق بالمجلس برقط الفناجيل

ولِصَوْتِ النِّجْرِ في نفوسِ سُكَّانِ الجزيرةِ حينَ دَنِّهِ وَقْعٌ يُحَرِّكُ مشاعرَهم للكرمِ, عبرَ مهاراتٍ يتقنونَها, فيُصْدِرَ نغمةً مُمَيَّزةً بدن نجره وخاصةً به , يعرف السامعون منها صاحبُ هذهِ الدَّنَّةِ ومصدرها , ويعتبرُ صاحبُ النِّجرِ هذه النغمةَ رسالةً مسماةً باسمهِ لمناداةِ الضيوفِ.

وادع بنجرن زين حسه ليا عار للي قعد حين النزل واحتراها

يُعْتَبَرُ دَنُّ النِّجْرِ في غيرِ وقْتِهِ قَديمًا دِلالة على وقوعِ أمرٍ مُهِمٍّ يُوجِبُ على السامعينَ الحضورَ للمجلسِ فورًا للاجتماعِ , خصوصًا في بيوتِ كِبارِ القَوْمِ وشُيُوخِهم.

تَعَدُّدُ أشْكالِ وأنواعِ النِّجْرِ يُعْطي تنوعًا في إحداثِ أصواتٍ للنِّجرِ مختلفةٍ عن بعضها ونغمةٍ مميزةٍ لكلِّ نوعٍ أثناءَ الدنِّ وتُسَمَّى (عار النِّجر) وأجودُها نِجْرُ الماو، البغدادي ، الصّميدرِ, يقول الشاعرُ المرحومُ بإذنِ الله سالم بن صامل البلوي:

وصميدرا لا دنْ حسه لمن جاه

مثل المنبه يوم حس الخطريا

يُعْتَبَرُ صوتُ النِّجْرِ مِرْسالًا و داعيًا كريمًا للحضور , ولا عُذرَ لمن يسمعُهُ ولم يلبِّ الدعوةَ , ولا بديلَ لصوتِ النِّجْرِ كداعٍ للحضورِ للمجلسِ قديمًا عند جارٍ أو قريبٍ لتناوُلِ القهوةِ أو للمشاركةِ في المجلسِ أو لوليمةٍ يقيمُها الدَّاعي لضيوفٍ حضروا , فينادي الجيران بصوت نِجْرِهِ لحضورها, وهي عادةٌ اعتادها أهلُ الجزيرةِ العربيَّةِ والشاعرُ محمد بن رشدان المطرفي عبَّرَ عن سعادتِه لصوتِ النِّجْرِ أثناءَ دَنِّهِ , والتصرُّفِ بصوتِه كمعزوفةِ كرمٍ تعوَّدَ عليْها بعضُهم للحضورِ منذُ السَّحرِ أي قبلَ صلاةِ الفجرِ لشدَّةِ حِرْصِهِ للمحافظةِ على عادتِه الكريمةِ , فهناك مَنْ ينتظرُ المِرسالَ للقدومِ للمجلسِ تحرِّي دنة النِّجرِ:

الدنة: تنغيم صوت النجرضرب أعلى النجر بيد النجر:

تصرف بنجرن زين حسه اليا عار

مرسال للي يصتنت في حراها

وهذا الشاعر القاضي يؤيده بنفس الرأي بدعوة من ينتظرون ساعة الكيف بصوت النجر:

وادع بنجرن زين حسه ليا عار

للي قعد حين النزل واحتراها

ولا يتمُّ اكتمالُ تذوُّقِ القهوةِ والتلذُّذِ بطعمِها إلَّا بمجلسٍ يجمعُ الجيرانَ والأهلَ والأصحابَ والضُّيوفَ بالنداءِ السريعِ, وليسَ هناكَ أغلى وأعظمَ مِنْ صوْتِ نِجْرِهِ مِرسالًا, ليدعوهم للحضورِ بوقتٍ واحدٍ ودونَ عناءٍ ليجمعَ مَنْ يتقاسمونَ مَعَهُ أُنْسَ الجلسةِ , وفي قصيدةِ الشاعرُ المرحوم بإذن الله فهيد بن حمدان القصيْر وصفٌ لصورةِ الكرمِ في جمالِ الليلِ مع طعمِ القهوةِ المبهَّرَةِ المُحْكمةِ بطبخها ومعاميلها والتي جهَّزها لجمعِ الرِّجالِ الطَّيِّبينَ والضُّيوفَ الذين جاؤوا على صوْتِ نغمةِ نِجْرِهِ حينَ سمعوه:

يا ما حلا الفنجال مع جرعد الليل

مبهر يا بو مساعد يواتي

دقيته بنجر ينادي الرجاجيل

واللي سمع في دقة النجر ياتي

ستة لواحد يوم قيدته الكيل

بدلال عن طل الندى محكماتي

اشتكى جيرانُ حميد اليتيم المرواني من صوتَ النِّجْرِ , حتَّى وصلَ بهِ الأمرُ إلى مقامِ أميرِ المدينةِ المنورةِ آنذاك المرحوم بإذن الله الأمير عبدالمحسن بن عبدالعزيز, فناداهُ وسمعَ منه وعرفَ مدى تمسُّكه بعاداتِه الأصيلةِ ,فأقنع سموَّ الأميرِ الجيرانَ في أنَّ هذهِ عادةٌ أصيلةٌ مِنْ عاداتِ العربِ متأصلةٌ في شِيمهِم , ولا يستطيعونَ تركها بل ويفتخرونَ بها, وأمرَ بصرفِ القهوةِ والهيلِ لحميد المرواني على حسابِهِ الخاصِّ مدى الحياةِ كردّ ٍوإعجابٍ لوفاءِ حميد بتمسُّكِهِ بعاداتِه الأصيلةِ.

يتعدَّى شعورُ سكَّانِ شمالِ الحجازِ ارتباطَهُم بأدواتِهم التي ترتَبِطُ بإكرامِ الضيوفِ لدرجةِ العشقِ , فيتعاملونَ معها تمامًا كما يتعاملونَ مع شخصٍ عاقلٍ, والنِّجْرُ من أساسياتِ أدواتِ الكريمِ وهو مِرسالٌ لشيوخِ وبيوتِ الكرمِ في تحديدِ مكانِ منازلِهم في طريقِ المارِّينَ وإعلانِ وقتِ شُرْبِها لأهلِ الكيفِ, فما يقومُ بهِ النِّجْرُ مِنْ مَهامٍ يعتبرها البدو بالغةَ الأهميةِ في حياتهم اليوميةِ, فهي تقومُ بمهمتَيْنِ في الوقتِ نفسِهِ: طحنُ البنِّ والهيلِ, ومرسالٍ بإصدار الصوتِ الذي يعلنُ دخولَ الوقتِ وينادي للحضورِ.

خاطبَ الشَّاعرُ الحميدي أبو عماير الفايدي نِجْره, وعبَّرَ لهُ عَنْ مدى حَسْرتِهِ وحُزْنِهِ عِندما رَهنهُ مُرْغمًا ليشتريَ برهنه شاةً يذبحُها لضيوفهِ, فَفَكَّ رهْنَهُ أحدُ المقتدرينَ عندما عَلِمَ بخبرِ الرَّهن ِوردَّهُ لهُ ومعهُ ثمنَ الشّاةِ,فأخذَ الشاعرُ يقدِّمُ العذْر َللنِّجْرِ وكأنَّهُ خَجلٌ مِمَّا فَعلهُ بِهِ ,لشدَّةِ تَعَلُّقِهِ بِهِ, وطمْأنهُ بأنَّ رهْنَهُ كان فأْلًا حسنًا عليهِ لأنَّهُ عاد ومعهُ مالٌ, بعد أنْ أكرمَ ضيوفَهُ,فلولا الله ثم لولاه لأصابهُ الخزيُ منهُم,بعد أنْ كان حزينًا ونادمًا على فراقهِ حينَ رهنَهُ, يقول الحميدي مخاطبًا نجره:

يا نجر لاما إني رهنتك غلا فيك

الشاهد الله جابرتني ظروفي

يوم أنها ضاقت علي المساليك

بعد الرهن تمت كرامة ضيوفي

واكبر دليل المال جاني يباريك

وانا على فراقك كثير الحسوفي

الشاعرةُ عزيزةُ الميهوبي تشتكي للنِّجْرِ عن هجْرِ شبابِ العُمْرِ لها, تمامًا كهجرِ النَّاسِ لَهُ, ولم يعدْ صوتُه ُمرسالًا يدعو للحضورِ, فَقَارَنَتْ الشاعرةُ بِبَراعَتِها تقدُّمَها بالسنِّينَ هجْرِ النَّاسِ للنِّجْرِ بعد موتِ أصحابِهِ, وهذا ربطٌ بارعٌ للشاعرةِ بينَ هَجْرِ السِّنينَ وهجْرِ النِّجْرِ.

يا نجر هجرك مثل هجري

هجرك عن اللي يدنونك

وجدك على دقة الفجري

يوم النشاما يحوفونك

توجَّدَ الشاعرُ فحيمانُ بنُ عودة الجهني على نِجْرِهِ عِندما سَرقَهُا اللَّصوصُ من مَجْلِسِهِ المفتوحِ دائمًا للتَّرحيبِب الضُّيوفِ, ولرابطِ العشقِ القويِّ بينهُما جاشَتْ أشْعارُهُ بحزنٍ على الأداةِ التي تمكنتْ منْهُ حتَّى تعلَّقَ بها لإحياءِ عادةِ أجدادهِ, يقولُ الشاعرُ فحيمان:

وانجري اللي غدوا به بايعين النحاس

والله لو ادري عنه باغلى ثمن لا اشتريه

من شان صوته يونسني ويجلا العماس

والصبح جاري محدد وقته ويحتريه

قتلتْ الطاحونةُ صوتَ النِّجْرِ, وفقدَ العربُ رمزًا يفتخرونَ بهِ , ولم يعدْ هناك غيرَ أطلالِ نِجُورٍ لطالما ارتفع صوته يسابقُ الرِّيحَ , ينادي على الضيفِ والجارِ وعابرِ السَّبيلِ.


رنين النجر يختلف حسب طريقة ضربه بين القوة والهدوء وفق نغمات معينة