نقلت تقارير صحفية عن إحصاءات حكومية أن ألمانيا ستكون قد استقبلت نحو 1.09 مليون لاجئ مسجل في نهاية العام 2015.

وتعتزم ألمانيا إنفاق حوالي 17 مليار يورو (18.7 مليون دولار) على التعامل مع أزمة اللاجئين في العام 2016.

وقالت صحيفة دي فيلت إنه باستثناء ولاية بريمن الصغيرة المؤلفة من مدينة واحدة، فإن الخطط الراهنة تشير إلى أن إنفاق الولايات مجتمعة سيكون 16.5 مليار يورو.

وأضافت الصحيفة أن من المحتمل أيضاً أن تكون التكاليف الفعلية أعلى بكثير، لأن وزارات المالية الإقليمية وضعت ميزانياتها على أساس تقدير من الحكومة الاتحادية بأن 800 ألف لاجئ سيصلون إلى ألمانيا في العام 2015. وفي الواقع فإن 965 ألف طالب للجوء وصلوا بالفعل بحلول نهاية نوفمبر تشرين الثاني، ويرجح أن تجاوز المليون.

15 صراعاً خلال خمسة أعوام تدفع بمزيد من اللاجئين حول العالم

وفي العام 2015، وصلت موجة الهجرة إلى قلب أوروبا. وحتى نهاية السنة، تشير التقديرات إلى أن دول الاتحاد الأوروبي، وبلدان الرابطة الأوروبية للتبادل الحر "إيفتا" (سويسرا، النرويج، إمارة ليختنشتاين، وآيسلندا) سجلت أعداد قياسية من اللاجئين. أما الوجهة الرئيسية فهي ألمانيا.

وفي تشرين الثاني نوفمبر الماضي، خضعت سياسات اللجوء الأوروبية لتشديد آخر في أعقاب تفجيرات باريس، بعد أن تم التأكد من أن أحد الإرهابيين انتحل شخصية لاجئ للتمكن من الوصول إلى أوروبا.

ومنذ الحرب العالمية الثانية، لم يُسجّل العالم أعداداً مماثلة من اللاجئين، وطالبي اللجوء، والنازحين، بحيث أصبحوا يشكلون دولة افتراضية يزيد تعدادها السكاني على60 مليون نسمة. وفي عام 2014، صُنفت تلك الدولة الافتراضية في المرتبة 24 عالمياً من حيث عدد السكان.

وفي الأعوام الخمسة الأخيرة اندلع 15 صراعاً على الأقل أو أشعل فتيله من جديد، ليدفع بمزيد من اللاجئين حول العالم.

وهذه الصراعات: ثمانية في إفريقيا (كوت ديفوار وجمهورية إفريقيا الوسطى وليبيا ومالي وشمال شرق نيجيريا وجنوب السودان وبوروندي )، وثلاثة في الشرق الأوسط، وواحد في أوروبا (أوكرانيا) وثلاثة في آسيا (قيرغيزستان وفي عدّة مناطق في ميانمار وباكستان). وقد تم التوصل إلى حل لبعض هذه الأزمات، في حين أن معظمها لا يزال يتسبب بموجات نزوح جديدة.

ومنذ أن توقفت السّفارات عن إصدار التأشيرات، ومع إغلاق جميع الطرق البرية تقريباً، وتحصينها بالجدران والأسلاك الشائكة، تحول البحر الأبيض المتوسط إلى البوابة الرئيسية إلى أوروبا. وقد خاطر أكثر من 900 ألف شخص بحياتهم في عرض البحر في عام 2015، أي بزيادة أربعة أضعاف عن الرقم الذي سُجل في العام 2014.

وفي وقت مضى، كانت منطقة الحدود اليونانية مع تركيا، التي تمتد لمسافة 200 كيلومتر، تمثل الصدع الأكبر في جدران "أوروبا الحصينة"، حيث يدخل منها غالبية المهاجرين غير الشرعيين إلى الاتحاد الأوروبي.

وخلال الفترة بين كانون الثاني يناير 2010 وآب أغسطس 2012، تمكن ما لا يقل عن 87 ألف شخص من دخول اليونان عبر هذه النقطة. وينتهي المطاف بالعديد من المهاجرين بالاختباء على ظهر القوارب المتجهة إلى إيطاليا، أو يدفعون المال للمهربين من أجل أخذهم إلى جهات أخرى في أوروبا.

وفي آب أغسطس 2012، وتحت ضغط متزايد من الاتحاد الأوروبي، أطلقت الحكومة اليونانية عملية واسعة لسد الثقوب في حدودها مع تركيا، إذ تم إرسال 2000 عنصر إضافي من رجال الشرطة للقيام بدوريات في المنطقة. وجرى لاحقاً إنشاء سور يمتد لمسافة 12 كيلومتراً على طول إحدى نقاط العبور الأكثر استخداماً من قبل المهاجرين.

وفيما يواصل الأفارقة سلوك مسار جنوب البحر الأبيض المتوسط، وهي الطريق التي تربط ليبيا أو تونس بإيطاليا، فتح المهاجرون السوريون والأفغان طريق البلقان، الذي ينطلق بالمراكب من تركيا إلى الجزر اليونانية، التي يعبرها أكبر عدد من المهاجرين في الوقت الراهن.

وفي المجمل يُعد البحر الأبيض المتوسط طريقاً مستمراً للاجئين نحو أوروبا.

ووفقاً للبيانات الصادرة عن المفوضة السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، لقي 3580 شخصاً على الأقل حتفهم أو فُقدوا خلال محاولة عبور هذا البحر.

إن البحر الأبيض المتوسط يقدم نموذجاً لمسارات الهجرة المحفوفة بكافة أشكال المخاطر، والمجازفة بالحياة. وما يجري في مياهه يعبر أشد تعبير عن تصدّع منظومة الاستقرار السياسي والاجتماعي على امتداد رقعة واسعة من هذا العالم.

والثابت والأكيد، في كل ذلك، هو أن وقف هذه المأساة، لا يُمكن أن يتحقق سوى بمعالجة الأزمات السياسية والاجتماعية، الدافعة باتجاهها والمحفزة عليها. وهذه مسؤولية المجتمع الدولي، بكافة هيئاته المدنية والسياسية، وكل القوى الحية والنهضوية فيه.

على مستوى المقاربات الأوروبية الخاصة بالهجرة القادمة من الشرق. وفي ظل غياب سياسة مُشتركة، اختارت عدّة بلدان حلولاً أحادية الجانب، ما تسبّب في حالة من الفوضى والتخبط.

وتشكو الدول المستقبلة من عدم تضامن شركائها الأوروبيين في معالجة قضية الهجرة المتعاظمة وتباعاتها الثقيلة.

والقاعدة المتبعة هي أن يتحمل أول بلد يصل إليه المهاجر مسؤولية منحه اللجوء واستضافته. وهذا النظام لم يتم تطويره منذ أن اعتمد للمرة الأولى في العام 2002. وقد رفض رؤساء وزراء السويد والدنمرك وألمانيا فكرة تعديل اتفاق دبلن، الذي يفرض على دول الوصول معالجة طلبات اللجوء، وتأمين إيواء مقدميها.وعارضت 24 دولة، من أصل 28، تخفيف القواعد الخاصة بالهجرة عندما جرت مناقشة هذا الأمر لأول مرة.

وقبل التطوّرات الراهنة، حاول أكثر من 330 ألف نسمة دخول الاتحاد الأوروبي في العام 2012، وفدوا من مسارات مختلفة. وسجلت 70% من طلبات اللجوء في ذلك العام في ألمانيا (77500 طلب). وكانت حصة فرنسا 60600 طلب، والسويد 44 ألفاً، وبريطانيا 28 ألفاً، وبلجيكا 28 ألفاً. وذلك بحسب مكتب الإحصاء الأوروبي (يوروستات).

وارتفع عدد طلبات اللجوء المقدمة خلال العام 2014 إلى البلدان الصناعية إلى أعلى مستوياته في 22 عاماً، بالغاً 866 ألف طلب، بارتفاع نسبته 45 في المائة مقارنة بعام 2013، الذي سُجل فيه تقديم 596 ألف طلب. والعدد المسجل في العام 2014 هو الأعلى منذ العام 1992، الذي شهد اندلاع حرب البوسنة والهرسك.

وارتفع عدد طلبات اللجوء المقدمة إلى الاتحاد الاوروبي من 400 ألف طلب في العام 2008 إلى 626,710 طلباً عام 2014.

وتظهر البيانات الأوروبية أن العبء الأكبر تتحمله أربع دول، هي: إيطاليا وألمانيا والسويد وفرنسا. وكانت تستوعب نحو ثلثي طالبي اللجوء في الاتحاد الاوروبي عام 2014.

وقد تسلمت ألمانيا في ذلك العام طلبات لجوء بلغت أكثر من مائتي ألف طلب، أي نحو ثلث طلبات اللجوء في الاتحاد الأوروبي.

وبدورها، تسلمت السويد طلبات اعتبرت الأكبر قياساً بعدد السكان. وذلك بواقع 8432 طلباً لكل مليون شخص.

على صعيد الواقع الخاص بالهجرة من الشرق، تشير الصورة الراهنة إلى مستوى متعاظم من تدفق الأفراد والأسر عبر البحار والحدود الشائكة والوعرة. وتعبر هذه الصورة، في أحد أبعادها، عن حالة الاضطراب الأمني والاجتماعي الذي باتت تعيشه عدد من دول الإقليم.

إن حل أزمة الهجرة من الشرق، ووقف المآسي والكوارث الناجمة عنها، لا يُمكن أن يتحقق سوى بمعالجة الأزمات السياسية والاجتماعية، الدافعة باتجاهها والمحفزة عليها. وهذه مسؤولية المجتمع الدولي، وكل القوى الحية فيه. وهي كذلك مسؤولية دول المنطقة، التي يجب أن تضع نصب أعينها تحقيق استقرارها الأمني والسياسي، وتوجيه كافة الجهود والطاقات نحو التنمية الاقتصادية والاجتماعية الشاملة.

وهناك من الأوروبيين اليوم من يرى أن السبيل إلى حل أزمة الهجرة القادمة من الشرق يتمثل في فتح أسواق العمل لطالبي اللجوء والمهاجرين. وإن على أوروبا، على المدى البعيد، أن تعمل مع الدول الأخرى على وضع نظام يسمح للناس في مخيمات اللاجئين في الشرق الأوسط بالتقدم بطلبات للدخول إلى أراضيها، على النحو السائد لدى بعض دول العالم.

ومن ناحيتها، ترى المفوضية السامية لشؤون اللاجئين إنه في حين أن إنهاء الصراعات يتطلب حلولاً سياسية، فإن على الجهات الإنسانية الفاعلة أيضاً الاستثمار في سبل العيش والتعليم وغيرها من الأنشطة، لتعزيز الاعتماد على الذات بين السكان اللاجئين أو النازحين داخلياً، وفي اغتنام الفرص لمساعدتهم على إيجاد حلول لمحنتهم.

وعلى نحو خاص، هناك اليوم أزمة اللاجئين السوريين المتفاقمة، التي شقت طريقها سراعاً عبر المتوسط، وأضحت قضية أوروبية داخلية.

هذه الأزمة، كان من اليسير على المرء توقعها منذ البدايات الأولى للأحداث، قبل حوالي خمسة أعوام، فمن يصل إلى تركيا ليس من الصعب عليه مواصلة سيره نحو أوروبا الحصينة. وهذه المسألة قد حدثت في تجربة اللجوء العراقي، واسع النطاق، قبل أعوام على اندلاع الأزمة السورية. وقبل ذلك أيضاً بكثير، في ثمانينيات وتسعينيات القرن العشرين. والجديد في الأمر اليوم هو أن البحر، وليس البر أو الجو، قد بات طريق النازحين نحو أوروبا. أو دعونا نقول إن اليونان وليس بلغاريا قد باتت المحطة الأولى التي يقصدها هؤلاء النازحون عبر تركيا.

ويُمكن القول إن أوروبا المتوسطية، كما الوسطى والشمالية، باتت أكثر التصاقاً بالأزمة السورية من أي وقت مضى. بل إن كيفية مقاربة هذه الأزمة أضحت عاملاً رئيسياً في تحديد شعبية القيادات والأحزاب السياسية الأوروبية. وهذا الأمر كان قائماً، بدرجة أو بأخرى، منذ فترة من الوقت، لكنه أضحى اليوم أكثر تجلياً.

وقد لا يكون مفيداً كثيراً التوقف عند الخلفيات الفعلية أو الافتراضية لمواقف دول أوروبا من أزمة اللاجئين السوريين، فالمهم هو العودة للجذور الأولى المسببة لهذه الأزمة، وهي غياب الحل السياسي، واضطراب السياسات الدولية وارتجالها تجاه المسألة السورية.

وليس من المستغرب، بحال من الأحوال، أن تصبح أزمة اللاجئين السوريين أزمة أوروبية ودولية، إلا أن المستغرب هو هذا الضجيج الذي يحوم حول النتائج ويبتعد عن الأسباب. ولا يصغي لمنطق العقل، القائل بضرورة الذهاب نحو التسوية السلمية التي يختارها السوريون أنفسهم، وعدم المراهنة على الخيارات الأمنية، التي ثبت بؤسها وعقمها وشرها المستطير، والتي لا يعني التمسك بها سوى تدمير الوطن وإبادة أبنائه.

إن أوروبا، بما هي جار كبير لسورية، معنية اليوم، أكثر من أي وقت مضى، بالاستثمار في صناعة السلام السوري وإدامته، من خلال التشجيع على الحل السياسي الواقعي، الذي يحفظ أمن السوريين، ويصون وحدتهم الترابية، ويعيد لسورية سلامها وازدهارها المدني المديد، الذي هو مكسب كبير لأوروبا، وللعالم أجمع.

مبكراً، أدرك الباحثون الأوروبيون بأن انهيار الأمن في سورية سيكون مقدمة لتسميم الأمن الأوروبي ذاته. ورأى هؤلاء أن فصل الأمن بين ضفتي المتوسط ليس سوى ضرب من الخيال، كما تؤكد ذلك كل تجارب التاريخ القريب والبعيد. فكيف إذا كان الأمر يتعلق بدولة ذات موقع ودور محوري في المنطقة، كما هو حال سورية.

هذا الاستنتاج قال به منذ أكثر من ثلاثة أعوام الباحثون البريطانيون، سابقين في ذلك نظراءهم في أوروبا المتوسطية.

وما قالت به نخبة الباحثين بالأمس، انتهت للقول به اليوم النخب السياسية في أوروبا.

يدرك الجميع اليوم أن انهيار الدولة في سورية، فيما لو حدث، لن يكون سوى باب جهنم الذي سترمى منه الشرر في كل اتجاه.

ومما كتبه الباحثون الأوروبيون في هذا المجال، هو أن إطالة الصراع في سورية سيخلق أزمة لاجئين كبرى في منطقة المتوسط، لن يكون بوسع أوروبا احتواء تداعياتها، بأي شكل من الأشكال. وقد حدث هذا الأمر اليوم، ولا حاجة للخوض في حيثياته، التي يعرفها الجميع.

وفي المجمل، فإن أوروبا معنية بالاستثمار في بناء الاستقرار في الشرق الأوسط، وإعطاء هذه المسألة أولوية، لأنها السبيل الأمثل لحل أزمة الهجرة القادمة من هذه المنطقة، وصيانة أمن أوروبا ذاته، فالأمن الأوروبي لا يدور في جزيرة معزولة.


أسر سورية هربت من الموت والمواجهات المسلحة

مهاجرون تحدوا الأمواج بحثاً عن مستقبل آمن لأبنائهم

النازحون يتحملون أصعب الظروف وأقساها أملا في حياة أفضل