ما من أحد لا يتمنى انخفاض أسعار العقارات، كما هو الحال في التمني بانخفاض أسعار جميع السلع والخدمات، الاقتصاديون هم أول من يدعو الى ذلك، ويبشرون بذلك أيضاً. لكن الاقتصادي الحقيقي ينظر أولاً الى العوامل التي من شأنها خفض الأسعار. والعوامل الرئيسة التي يجب النظر اليها في معرفة توجه أسعار أي نشاط هي درجة المنافسة، قوى العرض والطلب، الأنظمة والتشريعات التي تفرز هيكل السوق. لقد تعرض سوق النشاط العقاري الى الكثير من محاولات الإصلاح وأهمها إصدار أنظمة الرهن العقاري، وضخ 250 مليار ريال لبناء 500 ألف وحدة سكنية، وإصدار نظام رسوم الأراضي البيضاء. وقد ساهمت هذه العوامل بشكل كبير في ركود القطاع العقاري لسنوات طويلة (الركود هنا يعني انخفاض حركة البيع والشراء)، مع انخفاض في الاسعار، خصوصاً في السنة الأخيرة لكنه لا يرقى الى المأمول من تلك الأنظمة والإصلاحات.

ومنذ صدور أنظمة الرهن العقاري ونحن نرى أن تطبيقها سيساهم بشكل كبير في زيادة المنافسة في القطاع، فالمشرع يهدف من هذا النظام الى تأطير العلاقة النظامية والتعاقدية في السوق العقارية لخلق مزيد من الثقة والتنافسية وتشجيع مزيد من المستثمرين في التطوير والتمويل، مع تقديم العديد من الحلول والمنتجات العقارية، مايساهم في النهاية الى جعل القطاع العقاري في متناول الجميع. فأنظمة الرهن العقاري هي أنظمة تمارسها الدول المتقدمة وبعض الدول الأخرى لرفع نسبة تملك مواطنيها للمساكن. والمملكة في هذا الخصوص تعمل على تطبيق أفضل الممارسات في هذا المجال. لذا فهي تهيئ في هذا السبيل من المؤسسات واللوائح التنفيذية مايجب فعله لإنجاح تطبيق انظمة الرهن العقاري وزيادة تملك المساكن. ونظراً للصعوبات التي واكبت تنفيذ أنظمة الرهن العقاري (انظر مقالي في هذه الصحيفة "من أجهض أنظمة الرهن العقاري" بتاريخ 20 أبريل 2015)، فقد أنشئت لجنة وزارية عليا من قبل مجلس الوزراء قبل عام تقريباً لتسهيل مايمكن عمله في إزالة عوائق تنفيذ لوائح الرهن العقاري.

فما نلاحظه هذه الأيام من مسارعة تحريك بعض قضايا قطاع الإسكان مثل فرض رسوم الأراضي البيضاء، والقرض المعجل، ونسبة الاستقطاع في التمويل العقاري، وغيرها من التغيرات الهيكلية ماهي الا نتاج لجهود هذه اللجنة ونتاج طبيعي لهذه الأنظمة التي تعمل على حلحلة الخلل الهيكلي في القطاع العقاري (الإسكاني بالذات) وجعله أكثر تنافسية وقابلية للتملك من أكبر شريحة ممكنة من المواطنيين. في معظم الدول المتقدمة تصل نسبة التمويل العقاري الى اجمالي الناتج المحلي الى أكثر من 100%، بمعنى أن مبالغ التمويل العقاري تصل الى حجم الناتج المحلي، بل وتتجاوزه في دول أخرى. بينما لا تصل هذه النسبة الا إلى أقل من 7% من اجمالي الناتج المحلي في السعودية بنهاية 2015، مايجعل قابلية الوصول الى أحجام تمويل ضخمة يعادل اجمالي الناتج المحلي المقدر بنحو 2.8 تريليون ريال أمرا متاحا ومستهدفا.

لذا فالتخويف من الإقراض وإغراق المواطنين بالديون ماهي إلا أوهام ترسخ في عقول بعض الكتّاب بدون دراية كافية بأنظمة ودينامكية الأسواق العقارية. فالمواطن لا يمكنه تملك مسكن في بداية حياته العملية والأسرية مالم يتبن برنامجا ادخاريا وتمويليا لتملك المسكن، كما هو الحل في كل بلدان العالم. البعض من المواطنين يتبع الطريقة التقليدية في تدبير أمره بالاقتراض من الأهل والأصدقاء وتولي عملية البناء التي قد تستغرق سنوات، لكنه ما أن ينتهي من البناء ويبدأ السكن الا وهو يدخل في تمويل سداد الديون قد تجلب له مشاكل مع أعز المقربين منه. أما في الوضع الراهن فإن وجود أنظمة الرهن العقاري ستمنحه تبني برنامج ادخاري تمويلي على سنوات طويلة، مع ميزة اضافية هي تملكه منزله حالاً وفي السنوات الأولى من عمره الوظيفي.

فالتخويف والتهويل من الدخول في دوامة الاقتراض من البنوك وشركات التمويل ليس إلا إرجافا لا يخدم الصالح الخاص والعام ويفاقم من المشكلة ويجعلها أكثر صعوبة وعنتاً على من يريد تملك بيت العمر، والسنوات الماضية التي كتبت فيها عدة مقالات تشجع المواطن على تملك المسكن اذا توفرت لديه أدنى الشروط، وعدم انتظار انخفاض الاسعار، تثبت صحتها مع مرور الوقت.