ما أن تقرأ لتاريخ المطبوعات والصحف في بلادنا إلاّ وستجد الاسم البارز في عالم المطبوعات والجرائد والصحف الأسبوعية ومن ثم اليومية، الأستاذ والرائد الإعلامي محمد بن صالح نصيف، أحد عمداء رئاسة التحرير في المملكة العربية السعودية، حيث كانت علاقته بصاحبة الجلالة قد بدأت منذ الحرب العالمية الأولى، وربما كانت له كتابات ومشاركات قبل هذه المرحلة، بيد أن عمله كإداري ومؤسس وكاتب ومحرر بدأ في عهد الشريف حسين –رحمه الله-، حيث أصدر صحيفة بريد الحجاز التي حلّت محلها صحيفة أم القرى، ثم أصدر في عهد الملك عبدالعزيز –طيب الله ثراه- صحيفة "صوت الحجاز" التي سميت فيما بعد "البلاد السعودية".

أصدر صحيفة «بريد الحجاز» و «صوت الحجاز» وعين عضواً بمجلس الشورى ورئيساً للأوقاف

وعلى الرغم من جلالة أعماله وكثرة أشغاله وتنقلاته، إلاّ أن المناصب الإدارية والأعمال الإشرافية زاحمت عشقه القديم في العمل في المطبوعات والصحف، حيث اقتضت ثقة ولاة الأمر أن يتقلد عدداً من المناصب الإدارية والإشرافية التي لم تحجبه أبداً عن سماء العمل الصحفي في مهنة المتاعب.

وانفرد الأستاذ محمد بن صالح نصيف بحوار صحفي شهير مع الملك عبدالعزيز –طيب الله ثراه- إبان توحيد البلاد تحت مسمى المملكة العربية السعودية.

رأي وفكر

وُلد محمد صالح بن حسن نصيف في مدينة جدة عام 1310ه/ 1892م، وتلقى تعليمه في الكتاتيب، ثم واصل تعليمه مع عدد من علماء عصره، فكان يحضر الحلق والندوات والمحاضرات ويتواصل مع المشايخ والعلماء، ويقضي ساعات طويلة في المكتبات ودور العلم حتى حفظ القرآن الكريم، ويقول خير الدين الزركلي عن ولادته في كتابه "الأعلام" انها كانت عام (1313ه – 1895)، وكذلك جاء في "معجم الكتاب والمؤلفين في المملكة"، في حين أن مؤرخ الحجاز الشيخ محمد بن علي مغربي ذكر في كتابه الشهير "أعلام الحجاز": أنه ولد عام 1310ه، وهو الذي وصفه بأنه كان طويلا فارعا ممتلئ الجسم، حنطي اللون، حسن الملامح، تزين وجهه لحية كاملة، كان مشهوراً ومعروفاً لدى جميع الأقارب والأصدقاء والجيران بسعيه للإصلاح بين المتخاصمين، أياً كان نوع الخلاف، حيث كان الكثير يلجؤون إليه للاستعانة برأيه، وفكره ودوره في إقامة الصلح، فقد كانوا يدعونه ب"الشيخ صالح" كاختصار لاسمه الأول المركب "محمد صالح"، ويقول عنه المؤرخ محمد القشعمي –رحمه الله-: لم يكن يتساهل أبداً في أي أمرٍ يتعلق بالدين أو الأخلاق الحميدة أو السلوك القيم، لأي من أبنائه أو جلسائه، وكغيره كان مهتماً بالوضع العربي عامة، فقد كان عضواً في لجنة إعانة منكوبي فلسطين وشرق الأردن عام 1346ه، كما كان من اهتماماته بالمجتمع والشباب، وشارك في إنشاء "جمعية الطيران العربية" كنادٍ لهواة الطيران.

عُرف عنه –رحمه الله- أنه كان متعاوناً ومقبلاً على الجميع فرغم جديته واستقامته وحرصه الشديد على الأصالة والتقيد بمكارم الخلق والفضائل، إلاّ أنه –رحمه الله- كان ودوداً محبوباً يأنس الأهل والأقارب والجيران بوجوده بينهم، كما عُرف بحرصه الشديد على استشارة والدته في معظم أموره براً منه بها وإيماناً منه بحكمتها ورجاحة عقلها، وهي التي كانت أمية لا تقرأ ولا تكتب –رحمها الله-.

عضو شورى

كان من أعيان الحجاز الذين طالبوا الشريف حسين –رحمه الله- بالتنحي عن الحكم لصالح ابنه الشريف علي، وكان له حضوره السياسي والفكري، لاسيما وقد عايش التحولات السياسية التي شهدتها المنطقة بُعيد الحرب العالمية الأولى، وقد اُختير –رحمه الله- لرئاسة ماليات وجمارك جازان في عهد وزير المالية الأسبق الشيخ عبدالله السليمان، وانتقل إلى هناك لعدة سنوات، ثم عاد إلى الحجاز، وكان قبلها رئيساً لبلدية مدينة جدة إبان العهد الهاشمي، كما أصدر في ذات العهد صحيفة "بريد الحجاز" بمدينة جدة أيضاً، وذلك عام 1343ه، وكان هو من يتولى إدارتها ويرأس تحريرها، وفي العهد السعودي تولى رئاسة الأوقاف ثم عُين عضواً لمجلس الشورى أكثر من مرة، كما أسس المطبعة السلفية في مكة المكرمة عام 1347ه، لاسيما وأنه زامن وعاصر الشيخ محمد بن حسين نصيف الذي كان أحد أبرز علماء السلفية في عهده، وكانت أسرة نصيف من الأسر التي تنفق في سبيل العلم والمعرفة ونشر العلوم الدينية، وفي يوم الاثنين السابع والعشرين من شهر ذي القعدة عام 1350ه الموافق للرابع من أبريل عام 1932م أنشأ الشيخ محمد صحيفة صوت الحجاز بذات المبادئ التي أنشأ من خلالها صحيفة بريد الحجاز، بل إن البعض يعتبرها امتداداً لها، وكان نصيف المؤسس وصاحب الامتياز، وقد رأس تحريرها الأستاذ عبدالوهاب آشي.

بريد الحجاز

ولكونه يعتبر رائداً من رواد الصحافة في الحجاز، ومن السباقين إلى إصدار الصحف في الحجاز، فقد كان إصداره لجريدة (بريد الحجاز) في عهد الشريف علي بن الحسين من عام 1343- 1344ه، يقول عنها الأستاذ جواد علي الطاهر في "معجم المطبوعات العربية": "كانت صورة صادقة للانفعالات التي كانت مسيطرة على نفوس الحجازيين في ذلك الحين، كما كانت تفيض بالأدب الحي الثائر".

وفي العهد السعودي عين عضواً في مجلس الشورى عام 1347- 1348ه، ثم عين مديراً لمالية منطقة الأحساء، وكان قد أنشأ المكتبة والمطبعة السلفية، وهي التي كانت في القاهرة باسم مطبعة المنار، وقد باعها الشيخ رشيد رضا إلى أصحاب المطبعة السلفية بمكة المكرمة، وهما الشيخ محمد صالح نصيف وعبدالفتاح قتلان.

قال عنه عبدالقدوس الأنصاري في تاريخ مدينة جدة: "إنه أحد أعيان جدة في أيام الهاشميين، تسلم رئاسة بلديتها، وأسس البنك المركزي الهاشمي، وحين تولى السعوديون الحكم ولي رئاسة الأوقاف، وكان أحد الذين طالبوا الشريف حسين –رحمه الله- بالاستقالة".

وعن الهدف من إنشائه صحيفة بريد الحجاز يقول نصيف: "إن الفكرة التي جعلتني أقدم على إصدار الصحيفة المشار إليها، ممثلة في صوت الحجاز هي الرغبة في تزجية الفكر العام إلى الأمام، فالصحافة هي المنبر الشعبي الذي ينهض بالمستوى الخاص والعام، وقد لاحظت أن تقدماً حصل في ثقافتنا، وأنه يمكنني أن أعمل شيئاً يمكنني من المضي قدماً".

صاحب امتياز

يقول المؤرخ محمد القشعمي –رحمه الله-: إنه بحسب ما تدونه جريدة البلاد في أعدادها المتتالية في الوقت الحاضر، فهي تعتبر محمد صالح نصيف رئيساً لتحرير صوت الحجاز في الفترات التالية: من 29/ 2/ 1351ه إلى 1/ 9/ 1351ه، ومن 13/ 10/ 1352ه لمدة ثلاثة عشر يوماً، إضافة لكونه مؤسسها وصاحب امتيازها ومديرها المسؤول، أما الدكتور عبدالرحمن بن علي الزهراني فيقول في كتابه "رجال الشورى في المملكة العربية السعودية": عُين محمد صالح نصيف عام 1355- 1357ه، مرة أخرى عضواً بمجلس الشورى، وعُين مديراً لمالية وجمارك منطقة جازان، ثم عُين عضواً بمجلس الشورى للمرة الثالثة اعتباراً من 19/ 11/ 1363ه وحتى 26/ 11/ 1376ه، حيث أحيل إلى التقاعد.

خدمة الأدب

كان محمد صالح نصيف قد حدد أطر وسياسات صحيفته الجديدة "صوت الحجاز"؛ لتخدم الأدب والأنشطة الثقافية، والتي يقول علي الطاهر: "إنها احتجبت كسائر الصحف السعودية عن الصدور منذ 21 يوليو 1941م حتى 4 مارس 1946م، حيث عادت إلى الصدور باسم جديد هو (البلاد العربية) بسبب الحرب العالمية الثانية وشحّ الورق".

ووصف نصيف صحيفته بأنها ذات توجهات أدبية، وقال في افتتاحها: "لا أستطيع أن أصف لكم شعوري عندها، فقد كان شعور الغبطة بميلاد عهدٍ جديدٍ، وإني الآن لأستذكر أولئك الأدباء الذين ساعدوا وسهروا في سبيل إبراز الفكرة إلى حيز الوجود، وفي مقدمتهم سعادة الشيخ محمد سرور الصبان، حيث حضر إلى محل الطبع، واشترك عملياً مع إخوانه الأدباء في إصدار أول عددٍ عملي"، وقال بعد أن تحول اسمها إلى "البلاد السعودية": "وقد كان من جملة آمالي أن تتحول (صوت الحجاز) الأسبوعية إلى جريدةٍ يوميةٍ، وأرجو أن يتحقق ذلك على يد الشركة العربية للطبع والنشر، وما كنت أخال إلاّ أني سأمضي في إصدارها حقبةً طويلةً من الدهر، والحمد لله، فقد سُدّ الفراغ فما زالت صوت الحجاز تصدر حتى اليوم، وإن تبدل اسمها إلى البلاد السعودية"، وقد صارت تصدر كل نصف أسبوع وصارت ملكاً للشركة المشار إليها.

ثلاث مراحل

وكانت صحيفة البلاد الحالية قد مرت بثلاثة مراحل منذ إصدارها، المرحلة الأولى حين أصدرها الشيخ محمد صالح نصيف عام 1351ه حتى 12 محرم 1354ه، تلتها المرحلة الثانية حيث انتقل امتيازها للشركة العربية للطباعة والنشر التي يرأسها معالي الشيخ محمد سرور الصبان –رحمه الله- في 19 محرم 1354ه، واستمرت حتى 15/ 7/ 1387ه، ويعتبر العدد رقم 2961 هو آخر عدد من جريدة البلاد السعودية وذلك بعد صدورها بالرقم 1 حيث دمجت مع جريدة عرفات باسم "جريدة البلاد" ثم انتقل امتياز الجريدة في المرحلة الثالثة من الشركة العربية للطبع والنشر إلى ذات الشركة بمشاركة الأستاذ حسن عبد الحي قزاز مالك صحيفة عرفات سابقاً، ثم –أخيراً- انتقل امتياز الجريدة من الشركة العربية للطباعة والنشر والأستاذ حسن قزاز إلى مؤسسة البلاد للصحافة والنشر في يوم الأحد 2 ذي القعدة 1383ه، وذلك بعد صدور مرسوم المؤسسات الصحفية الصادر في 23 جمادى الثاني من نفس العام.

حوار شهير

وقد انفرد الأستاذ محمد بن صالح نصيف بحوار صحفي شهير مع الملك عبدالعزيز –طيب الله ثراه- إبان توحيد البلاد تحت مسمى المملكة العربية السعودية، وقال المؤرخ محمد بن علي المغربي يصف هذا اللقاء: وقد وجدت عند تتبعي لأعداد صوت الحجاز عدة إشارات على كتاباته، فمثلاً قد أجرى مقابلة صحفية مع جلالة الملك عبدالعزيز –رحمه الله- في العدد (23) في الأول من شهر جمادى الأولى 1351ه، كما كتب في العدد (40) وتاريخ 13 من رمضان 1351ه موضوع (بيان حقيقة عتاب وجواب)، إضافة لموضوع ثالث (طرائف عربية) في العدد (71) بتاريخ 1 من جمادى الأولى 1352ه بتوقيع (م.ن) والمرجح أنه الحروف الأولى من اسمه، إضافة للافتتاحيات التي لا توقع بأسماء، أو الحروف الأولى من أسماء كتابها، كما هو في أعداد كثيرة.

تاريخ وفاته

وذكر علي جواد الطاهر في (معجم المطبوعات العربية):انه قد توفي في جدة عام 1391ه/ 1971م، أما في معجم الأعلام للزركلي، وفي معجم الكتاب والمؤلفين السعوديين فقد توفي عام 1393ه/ 1973م، وبذلك قال ابنه عثمان: إنه قد توفي يوم الخامس من رمضان 1393ه، الأول من أكتوبر 1973م، عن عمر يناهز الثلاثة والثمانين، قضاها في خدمة دينه ووطنه، والملوك الذين تعاقبوا في حياته رحمهم الله جميعاً.


محمد صالح نصيف

خطاب موجه لعضو مجلس الشورى محمد صالح نصيف من رئيس المجلس

صحيفة بريد الحجاز

خطاب من الملك عبدالعزيز إلى محمد نصيف

العدد الأول من جريدة صوت الحجاز

أحد الخطابات الموجهة الى نصيف عام 1351هـ

منصور العساف