التحول الكبير في السياسة النفطية السعودية، من دولة كانت تطارد دول أعضاء أوبك لخفض الإنتاج إلى دولة يطاردها الجميع بما فيها الدول المنتجة خارج منظومة أوبك، هو الأكثر صعوبة وتعقيداً في الفهم. صحيح ان موقف المملكة النفطي يساعدها في تحقيق أهداف اقتصادية وسياسية عديدة حتى لو لم تكن مقصودة، لكن الموقف الحالي قد لا يساعدها في لعب الدور الاقتصادي والسياسي الذي قد ترغب لعبه مستقبلاً. دعونا نتخيل أن دول أوبك وروسيا اتفقت على خفض الانتاج بدون السعودية، فكيف ستكون نتائج مثل هذا القرار على السوق النفطية؟ بمعنى آخر، هل سترتفع الأسعار فعلاً اذا عرفنا أن كل تلك الدول تنتج بأقصى طاقتها الانتاجية وأن خفضها للانتاج يعني استفادة المملكة القصوى من هذا الارتفاع، خصوصاً وأن المملكة ليس لديها قدره حالياً لرفع انتاجها لأسباب اقتصادية وفنية، فهناك صعوبة في وصول انتاج المملكة لنحو 11 مليون برميل مالم يكن هناك استنزاف للموارد المالية والطبيعية وبتكاليف عاليةً. وعلى ضوئه، ستلعب المملكة دور (الراكب المجاني) هذه المرة، كما لعبته ايران والعراق وروسيا في السابق، مستفيدة من ضغط المملكة على دول أوبك لخفض الانتاج في سنوات ماضية.

لكن ذلك سيطرح تساؤلا مهماً وهو، هل يمكن القول إن الدول القيادية بدأت تتراجع في لعب الدور القيادي المنوط بها لأنها لا ترى نتائج ايجابية تعود عليها بالنفع جراء اتباعها تلك السياسات وأن المستفيد هي الدول التابعة؟ فالولايات المتحدة الأميركية تخلت عن دور لعبها القيادي سياسياً في منطقة الشرق الأوسط، لأنها تشعر بعدم قدرتها على تغيير الواقع بأقل التكاليف الممكنة، وعلى ضوءه ملء هذا الفراغ بالوجود الروسي الذي قد يغير معادلة التحالفات بشكل كبير. ويقودنا هذا للتساؤل هل هذا يعني أن تخلي المملكة عن دورها الاقتصادي النفطي سيدفع روسيا وايران للعب نفس الدور في السوق النفطية؟ وهل من صالحنا ترك الحبل على الغارب حتى تفطن هاتان الدولتان وتملآ فراغ تخلي السعودية عن دورها القيادي في أسواق الطاقة النفطية؟

إن التقارب الروسي الأخير للمملكة في التعاون لخفض الانتاج قد يعني رغبتها في مساعدة إيران حليفها الوحيد في سورية لتستفيد من ارتفاع أسعار النفط عند بدء تصديرها للنفط بعد رفع الحصار عنها. ويعزز ذلك هو التقارب الايراني الاخر من المملكة وحثها على المشاركة في خفض الانتاج أيضاً لتستفيد الدولتان (روسيا وإيران) من ارتفاع أسعار النفط للمساهمة في تمويل حروبهما في المنطقة. هذه النتيجة الافتراضية قد تعطي المملكة الحق في عدم الانصياع لتلك الضغوط والعمل على زيادة عبء التكاليف على الدولتين واجبارهما سياسياً على الانصياع للحلول السعودية الأميركية. تدرك المملكة أيضاً أنها هي الأخرى تحتاج الى تمويل لتلك الحروب أيضاً مايجعل موقفها التفاوضي في هذا الخصوص ضعيفاً مالم تدعمها الولايات المتحدة والدول الصديقة في مجابهة الضغوط الاقتصادية والسياسية التي تتعرض لها.

ولعل أولى الحلول أن تعود الولايات المتحدة للعب دورها القيادي والسياسي في المنطقة. فالمملكة دعت وفي عدة مناسبات أن على الولايات المتحدة لعب دورها السياسي والقيادي في المنطقة، والتزمت بالدخول برياً في سورية، بعد نجاحها في اقناع عدد من الدول الاسلامية وعلى رأسها تركيا في قبول فكرة التدخل البري كحل أخير للقضاء على داعش كمرحلة أولى. وعزل ايران والاطاحة بالأسد ثانياً، مايضعف الدور الروسي، الذي سيعود بأدراجه، لتتمكن السعودية وحلفاؤها من اعادة الاستقرار والأمن للمنطقة. وهذا بدوره سيعيد المملكة للعب دور أفضل في أسواق النفط ويعيد الولايات المتحدة الأميركية للعب دور أفضل في المنطقة، مدعومتين بانتصار سياسي واقتصادي يمكنهما من التركيز على اعادة التنمية الاقتصادية المستدامة والاستقرار لدول المنطقة التي أرهقتها الحروب والقلاقل.