تحدث الدكتور مثنى حارث الضاري الأمين العام لهيئة علماء المسلمين، بكل صراحة وشفافية وألم عن حجم التدخل الإيراني المستشري بالعراق، وقال الضاري في حديث خاص ل"الرياض" إن العراق محتل كاملا من قبل إيران وهو احتلال غير معلن، لكنه واضح وصارخ داخليا على الأرض من خلال النفوذ والهيمنة الإيرانية على القرار السياسي بشكل واضح من خلال

إيران تضمر العداء للمنطقة العربية منذ عصور وقبل النظام الحالي

الميليشيات والأحزاب العميلة الموالية لإيران، منذ احتلال العراق عام 2003 الى الآن، وهي الآمر الناهي ومن يخالف ليس له مكان بالعراق، وفيما يلي نص الحوار التالي:

  • بصفتكم أمينا عاما لهيئة علماء المسلمين في العراق، كيف ترى التصعيد الإيراني تجاه المملكة الآن، بعد حرق السفارة السعودية في طهران والقنصلية السعودية في مدينة مشهد الإيرانية، وما تلاه من تصعيد إيراني؟

  • هو تصعيد خطير وغير مفاجئ لنا على الأقل، وتعبير صارخ عن تمادي النظام الإيراني في تجاوزه لعلاقات حسن الجوار وخرق الأعراف الدبلوماسية المعمول بها في هذا المجال، وطالما أكدنا في الهيئة على تجاوزات النظام الإيراني في هذا المجال وغيره مرارا وتكرارا، في العراق وغيره من البلدان، والاستخفاف بأبسط المسلمات في العلاقات الدولية، وانتهاك سيادة عدد من دول المنطقة، منذ زمن بعيد.

حسناً فعلت المملكة بقطع العلاقة مع نظام الملالي لعزلهم وفضح نواياهم

  • كيف ترى ردة الفعل السعودية والقرارات الصارمة التي اتخذتها المملكة عقب الاعتداء على السفارة والقنصلية بعد نهبهما من قبل النظام الإيراني؟

  • ردة الفعل كانت مناسبة جدا، وفيها القدر اللازم من الحزم والصرامة اللازمة للتعامل مع هكذا مواقف عدائية واضحة، وينبغي إدامة زخم هذا الموقف واستمراره؛ ليحقق أهدافه في الردع وإجبار الطرف الإيراني على مراجعة حساباته، وفضحه وعزله، وعدم التمادي في سياساته العدوانية المستفزة لبلدان المنطقة بشكل سافر.

50 من الميليشات الإرهابية بالعراق تديرها إيران لتصفية المكون السني.. و«الحشد الشعبي» في طور التحول لجيش عقائدي

  • من خبرتكم الطويلة في مواجهة إيران وحلفائها في العراق، كيف تصف السياسة الإيرانية تجاه العراق بهذة المرحلة؟

  • السياسة الإيرانية تجاه المنطقة هي سياسة قديمة وثابتة، ولكنها تتخذ أشكالا متعددة بحسب المتغيرات الزمانية والمكانية، وهي سياسة فرض الأمر الواقع باستخدام كل أسباب القوة الممكنة: الناعم منها والخشن؛ لتحقيق أهداف سياسية بحتة أو أهداف جيوسياسية، أو أهداف ثقافية، وتتصف هذه السياسة بطابعها العدائي، الذي لا يتكلف بعض أركان النظام الإيراني كثيرا في إخفائه في هذه المرحلة، التي يبدو فيها السياسي الإيراني في موقع المنتشي والمجاهر بما يفعل، وتنبع هذه الطبيعة العدوانية من خلفيات تأريخية وإسقاطات ذات طابع عنصري وطائفي لا يجد المتابع صعوبة في رصده واكتشافه، وهذا ليس جديدا وإنما هو وليد عقود طويلة، بغض النظر عن طبيعة النظام الحاكم وشكله في إيران.

  • ما حجم التدخل الإيراني في الشؤون الداخلية في العراق، وإلى أي مدى تؤثر السياسة الإيرانية في الحكومة العراقية الحالية؟

  • وصف ما يجري في العراق ب(التدخل) وصف مخفف جدا، فالحاصل هو هيمنة شبه كاملة على القرار السياسي والمؤسسات الأمنية والمقدرات الاقتصادية، ومحاولات تأثير كبيرة على الواقع الاجتماعي والثقافي، فإيران تحتل العراق كاملا وتسير أموره بطريقة مباشرة من خلال أدواتها في العراق من قوى وأحزاب وميليشيات ومرجعيات دينية وأدوات تنفيذية أخرى، وبواسطة شبكة علاقات ومصالح مع أطراف سياسية أخرى وشراء للنفوس والذمم والألسن والمواقف، فضلاً عن سلاح الترهيب والتصفية الجسدية، والقيادات الإيرانية العسكرية والأمنية تسرح وتمرح في العراق بارتياح تام، وتقود المعارك فيه بشكل واضح وصريح، وتوجه الدعم اللوجستي من أراضيه لبلاد أخرى تعمل فيها تخريبا، مثلما فعل الغائب الحاضر (قاسم سليماني)، فالوصف الدقيق لما يجري في العراق هو: احتلال إيراني غير معلن، واستمرار لحالة الاحتلال الغربي بشكل آخر.

  • ماهي الميليشيات والمنظمات العراقية الموالية لإيران وتعمل على حساب نظام الملالي؟

-أغلب مناطق العراق أو خاصة بمناطق محددة منه، تابعة لأحزاب وقوى ومرجعيات دينية، ذات صلات داخلية في العراق أو خارجية، وأبرزها: (منظمة بدر) المنشقة عن المجلس الأعلى والتابعة لحزب الدعوة الآن، و(عصائب أهل الحق) المنشقة عن التيار الصدري والمتحالفة مع حزب الدعوة، و(أبي الفضل العباس) و(سرايا السلام) التابعة للتيار الصدري، و(ألوية تيار المحراب) و(سرايا أنصار العقيدة) التابعة للمجلس الأعلى، و(كتائب حزب الله) التابعة لحزب الله في لبنان، و(سرايا الخراساني)، و(جيش المختار)، و(كتائب سيد الشهداء) و(لواء الإمام الحسين) و(المقاومة الإسلامية وحركة النجباء).

وتحاول السلطات الحاكمة في بغداد والأدوات التابعة الآن لها التفرقة بين الجيش الحكومي وهذه الميليشيات، وتجري هذ المحاولات لتغطية فشل هذا الجيش، وعدم قدرته على القيام وحده بالمهام التي يريدونها، وفساده، فتم إنشاء (الحشد الشعبي) بناءً على فتوى المرجعية، فبدأت كل الأحزاب؛ بل وحتى المنظمات المتفرعة عن هذه الأحزاب في التسابق لتشكيل ميليشيات وإعطائها أسماء أخرى.

  • الحشد الشعبي، هل مازال في طور الميليشيا أم أصبح جيشا تابعا للشيعة تدربه وتسلحة إيران؟

  • الحشد الشعبي تحالف ميليشياوي ضخم مدعوم مرجعيا في طوره للتحوّل لجيش (عقائدي ولائي) كما يطلقون عليه، ليحلّ محل الجيش الحكومي المؤسس في الأصل من تجمع ست ميليشيات لأحزاب أعانت الاحتلال على استباحة العراق؛ ومرجع ذلك إلى فشل الجيش الحكومي في تحقيق الأهداف التي يبغونها على الرغم من كل الدعم المقدم له ماليا وتدريبيا ومعنويا وتجهيزا وتسليحا؛ بسبب الفساد المستشري فيه والخلل البنيوي الميليشياوي، وكذلك محاولة تطبيق سياسة الاستبدال المناطقي والإحلال السكاني في إطار التغييرات الديموغرافية، التي تسعى حكومات الاحتلال المتعاقبة لتفرضها كأمر واقع؛ حيث يصعب على القوات الحكومية القيام بذلك كما هو مطلوب فتقوم بها الميليشيات التي يسهل التنصل من أعمالها بطريق أو أخرى، مثلما رأينا في المقدادية أخيرا من مجازر وجرائم بشعة.

  • هل ما تقدم من عرض للهيمنة الإيرانية هو سبب رفضكم الدخول في العملية السياسية على الرغم من تشكيل عدد من الحكومات عقب الاحتلال؟

  • نعم بالضبط، هذا وغيره، فقد علمنا من وقتها أن ما حدث في العراق لم يكن لصالح الشعب العراقي، وإنما ردة فعل لأحداث (11/9/2001)، وتنفيذا لرغبات أحزاب المعارضة في إزاحة النظام السابق بأي طريقة ممكنة، ودون حساب تبعات ذلك على الشعب العراقي والمنطقة، وأعقبت ذلك مجموعة قرارات وإجراءات وقوانين؛ دلت بشكل مؤكد على أن هناك استهدافا انتقاميا من الجزء الأكبر من الشعب العراقي بحجج وذرائع مختلفة، فتم حل الجيش وتشكيل مجلس حكم موقت وكتابة قانون إدارة دولة موقت، وإقرار مبدأ المحاصصة الطائفية والعرقية، ومن ثم وصف المقاومة بالإرهاب، فضلا عن حملات القتل والاعتقال المدبرة، وتشكيل قوة عسكرية باسم الجيش من الميليشيات مثلما تقدم ذكره، وتدريبها على أعمال التصدي للإرهاب واستهداف المناطق الرافضة للاحتلال وحواضنها الشعبية.

كل هذه المعطيات كانت ستؤدي بلا شك وعند كل متابع واع غير متأثر بالحملات الإعلامية المصاحبة للغزو؛ إلى إعطاء تصور واضح واستشراف لمآلات مأساوية لما يجري من أحداث، وهذا ما هو حاصل على أرض الواقع؛ فجوهر المشكلة العراقية يكمن في بنية النظام السياسي القائم الآن، الذي هو وليد الصفحة السياسية للاحتلال العسكري متمثلة في العملية السياسية، التي قامت على أساس المحاصصة العرقية والطائفية ومهدت لكل الكوارث في العراق، وتكاملت فصولها في الدستور الذي أرسى قواعد الحكم، بناءً على رغبات المحتل والحليف الإيراني والأحزاب المتعاونة مع الاحتلال.

وهذا يفسر كيف وصل العراق الآن والمنطقة جميعاً معه؛ إلى حافة الهاوية بواسطة الصراعات الطائفية والمذهبية؛ وما تبعها من آليات الاستبعاد والاستقصاء والثأر المنظم والانتهاك المبرمج لحقوق الإنسان العراقي؛ وهو ما جعل بعض العراقيين يفكرون في حلول جزئية، تحت ضغط الواقع المر والمأساوي، والاستهداف المتواصل لكل صوت رافض لما يجري في العراق من ظلم واستكبار وقتل وتوحش.

وللأسف فإن النظام العربي في وقتها وإلى وقت قريب قد تبنى رؤية الحل الأحادي في دخول العملية السياسية ولم يستفد من الفرص الكثيرة لإعادة النظر فيه، ولاسيما بعد مؤتمري القاهرة في 2005 و2006، اللذين أقرا توصيات مهمة في هذا السبيل كان ممكنا أن تقي العراق الكثير مما حدث فيما لو تم الأخذ بها والالتزام بتنفيذها، ولكن تم التنصل منها بشكل سافر من أطراف العملية السياسية وقبل أن تغادر الوفود المشاركة القاهرة.

  • أين وصلت جهودكم في مشروعكم للتغيير الذي طرحتموه مؤخرا (العراق الجامع).

-طرحنا مبادرة العراق الجامع في (15/8/2015)، ودعونا فيها إلى أربع آليات لإنقاذ العراق مما هو فيه، وهي: الدعوة (أولا) إلى لقاءات تشاورية موسعة بين القوى العراقية المناهضة للمشروع السياسي القائم في العراق؛ لغرض الاتفاق والتنسيق على مبادئ وثوابت مشروع العراق الجامع وتفعيلها، والدعوة (ثانيا) إلى عقد سلسلة من الندوات الموسعة بين كفاءات ونخب المجتمع وقواه المدنية الفاعلة، وقادة الرأي والواجهات الاجتماعية؛ لتقريب وجهات النظر والوصول إلى رؤى متقاربة ما أمكن، والدعوة (ثالثا) إلى اجتماع شرائح وفئات مجتمعية مهمة في كيانات وعناوين؛ تمهيداً لمشاركتها في أي جهد عراقي جمعي قادم، ودعم رأي عام عراقي وتوسعته نحو حركة جماهيرية ناشطة، والدعوة (رابعا) إلى عقد مؤتمر عام؛ لتأسيس إطار عراقي جامع، يكون عنواناً واحداً ينظم أفكار ومنطلقات القوى العراقية سالفة الذكر من خلال ميثاق للعمل المشترك، يقوم على أسس الوحدة، واستقلال القرار العراقي، ورفض التبعية للخارج القريب والبعيد، وتعزيز السلم المجتمعي، ويقطع الطريق على محاولات الانفراد ببعض القوى وسحبها لتنازلات انفرادية أو فخاخ معدة هنا وهناك، وتحضيراً لحل مناسب يحول دون وقوع العراق فريسة الفراغ القاتل.

هذه هي رؤيتنا، وإذا لم يتح لنا العمل من أجل حل القضية العراقية وفقا لرؤية الحل الشامل الكامل، وإذا لم ينظر للمشكلة في العراق بهذه الروحية العامة؛ فلن نصل لنتيجة، وللأسف فسيتوجه العراق والعراقيون نحو أوقات أسوأ وأكثر قسوة وفتكا وشدة، وسنمضي في عشرية رابعة مؤلمة، بعد عشرية حرب الخليج الأولى، وعشرية حرب الخليج الثانية، وعشرية ما بعد أحداث (11/9/2001) واحتلال العراق وتدميرة وتمزيقة.

  • هل من رسالة محددة ترسلونها للمجتمع الدولي ولدول المنطقة في شأن هذا الموضوع؟

  • نعم، نحن نرى بأن هناك حاجة ماسة للإسراع في مراجعة المواقف من القضية العراقية، ودعم مشروع تحقيق عمل جامع مشترك مؤطر، يجمع القوى الحية في العراق ويوحد جهودها ويبرز عملها ونشاطها، من أجل أن نخرج بمشروع يكتب له النجاح ويكون أداة لإنقاذ العراقيين مما هم فيه، ويتم فيه الالتزام بوثيقة أساسية لمشروع، تتضمن بيان الموقف الوطني من البنود الآتية: (هوية العراق، وحدة العراق، العملية السياسية، الدستور، دين الدولة، السلطات، القضية الكردية، القوات المسلحة، ثروات العراق، المرأة). ونؤكد على أن السعي في سبيل هذا المشروع هو الموقف السليم والصحيح والمطلوب، في مقابل عروض: الرضا بواقع العملية السياسية وطلب إصلاحها فقط، والقبول بالدستور والاكتفاء بطلب تعديلات عليه، أو مشروعات المصالحة الوهمية وذات الاشتراطات والمحددات الحكومية؛ ولذا أعلنا قبل شهر عن انطلاق المرحلة الثانية من مبادرة (مشروع العراق الجامع)، وستشهد الأسابيع القادمة، بعون الله إعلانا تفصيليا مهماً من الهيئة بهذا الشأن.


د. مثنى الضاري