يعلي اقتصاد المعرفة من دور الإنسان في مقابل دور الأموال والموارد الطبيعية، فيصبح بناء الثروة معتمدا بصورة متزايدة على هذا الإنسان الذي يقوم ببناء المعرفة واستثمارها، وذلك من خلال ما يطلق عليه الأعمال الفكرية - أو غير المادية - التي تتعلق مباشرة بالمقدرة على استخدام الحاسوب والمهارة في استخدام معطيات تقنية الاتصالات والمعلومات التي تمكنه من تحقيق ميزات تنافسية تقوم على المعرفة العلمية والفنية.

وهذه الأعمال الفكرية تضطلع بها القوى العاملة التي تتمتع بدرجة عالية من التعليم، والتي تعد أحد المكونات الرئيسية لاقتصاد المعرفة الناجح، مثل: الباحثين والمهندسين وعلماء الحاسوب والمحامين والمحاسبين المبدعين والمستشارين الماليين والإعلاميين والكتاب وأعضاء هيئات التدريس في الجامعات. وهذه الفئات كلها هي نتاج منظومة التعليم والتعلم بكل مستوياتها.

والتعلم المقصود هنا هو التعلم الذي ندرك به المعرفة ونستخدمها، أي التعلم الذي يركز في بناء الفرد، ويقوم بتغيير خصائصه التي تشمل التفضيلات والأهداف والقدرات والمهارات والقيم. ومن هذا يمكننا القول إن الإنسان - في اقتصاد المعرفة - يخضع لعملية مستمرة من إعادة صياغة الذات، وينشأ من ذلك مفهوم "التعلم مدى الحياة" كمفهوم يتلازم مع اقتصاد المعرفة، ويصبح التعلم له دور جوهري في أن تتحول مؤسسات الدولة نحو اتجاه تعظيم قيمة المعرفة، ما يجعل تطوير الهياكل الإدارية - بحيث تستوعب آليات التعلم المستمر- أمرا أساسيا.

ما علاقة ذلك بميزانية الدولة التي تم إعلانها؟

لم تغب أهمية التعليم والتعلم في بناء اقتصاد المعرفة عن فكر ولاة الأمر في بلادنا، وهو ما ظهر من بنود الميزانية التي أعلنها خادم الحرمين الشريفين أمام مجلس الشورى، التي اتضح فيها مدى حرص الدولة على تعزيز منظومة التعليم بها. فمع انخفاض الإيرادات من 715 مليار ريال في العام المنصرم إلى 513.8 في هذا العام، أي بنسبة تقارب 28%، وذلك بسبب انخفاض عائدات النفط، فإنه كان من المتوقع أن تنخفض مخصصات القطاعات المختلفة بنفس النسبة، بل وأكثر، نظرا لزيادة متطلبات الدفاع والأمن نتيجة الظروف الأمنية في المنطقة، إلا أننا نجد أن الانخفاض في مخصصات قطاع التعليم والتدريب والقوى العاملة كان 12% فقط.

وهذا يعني حرص الدولة على توفير الموارد لمتطلبات خطة التنمية الخمسية فيما يخص قطاع التعليم، التي تستهدف تعزيز منظومة العلوم والتقنية وتقوية روابطها مع القطاعات الإنتاجية والخدمية، وترسيخ تناقل المعرفة محلياً بالتعاون بين مؤسسات التعليم العالي ومعاهد البحوث والمؤسسات الصناعية، والتوسع في إقامة المؤسسات التي تربط بين أنشطة إنتاج المعرفة ونشرها واستثمارها، مثل مراكز البحوث التعاونية، وحاضنات التقنية، وحاضنات الأعمال، وحدائق العلوم والتقنية، ومراكز التقنية وفعاليات تطوير المنتج.

إننا لا نستغرب هذا التوجه المحمود من خادم الحرمين الشريفين، وهو الذي عهدناه حريصا على ترأس معظم حفلات تخريج الجامعيين وتتويجهم في جميع التخصصات، الذي وضع برنامجا داعما لتخصيص جائزة مالية للمتميزين من طلاب الدراسات العليا داخل المملكة العربية السعودية وخارجها، والذي يرعى عددا من الكراسي العلمية في جامعات المملكة، فهو رجل يدرك أهمية التعليم في بناء اقتصاد الدولة القائم على المعرفة.

  • أستاذ علم المعلومات

جامعة الملك سعود، عضو مجلس الشورى