كثيرا ما تكون سيرة الكاتب الذاتية اجمل وابقى من كل ما تركه عن آثار ادبية ويصدق هذا القول اكثر ما يصدق على الكاتبة اللبنانية المتحضرة الانسة مي زيادة التي ولدت في مدينة الناصرة بفلسطين سنة 1895 لأب لبناني وام سورية الاصل وعاشت اكثر حياتها في مصر الى ان توفيت فيها سنة 1941 فلا احد يعود اليوم الى كتابها ظلمات واشعة والى كتابها الاخر عن عائشة التيمورية او الى ديوانها بالفرنسية ازاهير حلم ولكن سيرتها حية في قلوب الكثيرين ممن يعرفون تاريخ الحركة الادبية في مصر في الثلث الاول من القرن العشرين واثر في بث روح الجدة والحيوية فيها ومن مظاهر ذلك صالونها الادبي الشهير الذي كان يعقد في مساء كل يوم ثلاثاء ويحضره نخبة من الادباء الكبار كان ذلك في العقدين الاول والثاني من القرن العشرين اي في مرحلة تاريخية لم تكن الحضارة الحديثة خلالها قد غزت بلادنا ولم تكن المرأة تظهر في الحياة العامة الا كالطيف واذا ما اسفرت واحدة من النساء فقد كانت كالمحجبة تماما لانها لا تحسن حديثا يشوق الرجل المثقف او يمتعه او يثير خياله او يوحي اليه او يلهمه فكرة او عاطفة او خاطرة.

كانت مي مثقفة رفيعة بالعربية والفرنسية كما كانت تتقن لغات اخرى وكان والدها يصدر مجلة اسبوعية تدعى المحروسة وبحكم عملها كانت تقابل الرجال وتتحدث الى اهل الادب والفكر وقد سبقت زمانها عندما اقامت في منزلها صالونا ادبيا على غرار الصالونات الادبية التي كانت معروفة في فرنسا في القرن التاسع عشر.

في ذلك الصالون كان يلتقي احمد شوقي وخليل مطران وعباس العقاد وطه حسين ومصطفى عبدالرازق ومصطفى صادق الرافعي وولي الدين يكن ولطفي السيد وشبلي شميل وآخرون من هذا االطراز ويستفيض الباحثون في الحديث عن مواهب مي الذاتية وعن اثرها في هؤلاء الادباء مثقفة في العشرينيات من عمرها متوسطة القامة لا تخلو من الجمال ولكنها بارعة في اثارة اهتمام الرجال بلا تكلف ولا ابتذال لم تكن تصطنع اسلوب الرجال ولا تقلدهم ولم تكن على الخصوص رجلا في ثياب امرأة بل كانت امرأة حتى اطراف اصابعها وقد استطاعت بانوثتها الناضجة الاخاذة واسلوبها الفريد في الحياة ان تكون مصدر الهام رجال كثيرين احبوها واسرفوا في حبهم وظنوا جميعها انها احبتهم فاسعدها هذا وحرك وجدانهم فاسدوا الى الادب العربي ايادي بيضاء واضافوا اليه صحفا باهرة يعود الفضل فيها الى مي التي عاشت وحيدة وماتت في عزلة موحشة بعد ان اتهمت بالجنون وامضت فترة في مستشفى العصفورية في لبنان وهو مستشفى الامراض العقلية.

كانت ندوة مي على الاصح نوعا من محرك للحياة الثقافية في القاهرة كما كانت نوعا من ملهم ومثير للكثير من هؤلاء المثقفين الذين كانوا في معظمهم من المصريين ومن الشوام المهاجرين الى مصر والذين وقع اكثرهم في حبها.

كانت تتبادل مع بعضهم الرسائل ومن هذه الرسائل ومما نشر من احاديث الندوة يشعر المرء ان هذه الاحاديث تكاد تكون غزلا مستورا بين صاحبة الندوة وزائريها فالجميع يحاولون كسب ودها في تحفظ واحتياط وهي مستثير عواطفهم اذ تتلطف معهم وتقرب وتبتعد من الواحد منهم بعد الاخر وفي حضور الاخرين فيكون لهذه اللعبة لعبة الحب المستور نشوة في نفوس هؤلاء المحرومين من المرأة في الصورة التي تمثلها مي ويخرج كل منهم من الندوة وهو اسعد حالا واطيب نفسا ولعل بعضهم كان يخرج من هذه الندوة وهو يحسب انه ظفر من ودها والتفاتها باكثر مما ظفر سواه وانه بات اقرب ما يكون من عتبة الحب المنشود ثم لا يجد بعد ذلك مما ظن وتوهم شيئا.

كان احد الكتاب المصريين موفقا غاية التوفيق حينما قال ان مي قد الهمت جبران خليل جبران وأوهمت مصطفى صادق الرافعي اذ الواضح انه وقع في حبها وظن انها تبادله حبا بحب ومؤرخو حياة العقاد يقولون انه احبها فعلا وانها احبته كذلك ثم وقعت الجفوة بينهما، احبها العقاد حبا روحيا وتحدث عنها في اخر قصة سارة وسماها باسم هند وكان يزورها وبجالسها ويتناولان من الحب ما يتناوله العاشقان العذريان وكان يكتب اليها في فيض ويسترسل ويذكر الوجد والشوق والامل وكانت مي تحبه حبا شديدا ولم تكن تعلم بحبه لسارة وانما كانت تتصور بينها وبينه مقسما انه معزول عن عالم النساء فلما شعرت انه يحب امرأة اخرى وكان هذا الحب قبل ان تقع في حبه زارته على حين غرة في مكتب عمله وهي الزيارة الاولى والاخيرة فرحب بها وابدى لها استغرابه لزيارتها المفاجئة وابتهاجه بسؤالها عنه وانصت لها فقالت بعد فترة وصوتها يتهدج لست زائرة ولا سائلة.. فقال: إذن؟

فلم تتكلم بل نظرت اليه كمن تستحلفه الا يتكلم وانحدرت من عينيها دمعتان فما تمالك نفسه وتناول يدها ورفعها الى فمه يقبلها ويعيد تقبيلهما فمانعته ولم تكف عن النظر اليه ثم استجمعت عزمها ونهضت منصرفة وهي تتمتم هامسة: دع يدي ودعني..

وفقد استاذ الجيل احمد لطفي السيد وقاره المعهود بعد ان تعرف الى مي وهي ما تزال دون العشرين من عمرها ويبدو انه وقع في حبها وكان في مرحلة الرجولة الناضجة يلقنها دروسا في اللغة العربية وادابها وقد نشرت مجلة الهلال المصرية في عدد يناير لعام 1962 مجموعة خطابات ارسلها الى مي تدل على الزلزال الذي احدثته مي في نفسه يكتب اليها بالاسكندرية قائلا: اذكرك دائما كلما هبت نسمات البحر وكلما تجلى علينا البدر يضيء البر والبحر واذكرك كلما هاج البحر.

ويبدو انه عانى من نوبات غضبها فقد تحدث عنها كما يلي: غضبي يلذ لنا غضبها في كل اطواره كما يطيب لنا احتماله في كل مظاهره عبس في الوجه لا يقل في جماله عن الابتسامة الفاتنة واغراض كالدلال في الاقبال وتوقد في العينين كأنه في حلاوة لين النظر فما اشبه نظرها الشذر بلحظها الرحيم في الحب بقلوب الحكيم ثم قطع للرسائل وهجر جميل.

كما يبدو ان استاذ الجيل فقد عقله في علاقته مع هذه الصبية المثقفة اذ يقول في احد خطاباته لها جاءني كتابك فشممته مليا وقرأته هنيا مريا جاء في ولا اكذبك اني كنت في انتظاره فقرأته ثم قرأته وذكرت تلك الليلة التي لها في حياتي تاريخ ومركز خاص.

وينفجر في كتاب اخر القيود اني كسرها وتعلق بها عني لاقول ماذا لا شيء بل لاقول اني اليوم سعيد وربما كنته بعد اليوم وهذا ما لا اعرفه وهي كلمات تدل على انه فكر على الارجح بانقلاب في حياته الشخصية وانه عانى في حبها وكان بينه وبينها ما يتجاوز الصداقة.

وكان بينها وبين الكاتب المهجري جبران خليل جبران علاقة حب نزفت دما كانت البحار عائقا في سبيل تلاقيهما فهي في مصر وهو في نيويورك ولم يلتقيا ابدا وقد اصبح البعد هذه العلاقة التي دامت حوالي ربع قرن تبادل فيها الحبيبان الحب عن بعد عبر خطابات عاطفية عالية القيمة والجودة وقد لا يبالغ الباحث اذ اعتبرها قمة في المشاعر لم يصل اليها سوى قلة من العاشقين الخالدين.

في البداية تحاشى العاشقان استخدام كلمة حب في رسائلهما المتبادلة ولكن مي تخترق هذا التحفظ لتنفجر في احدى رسائلها قائلة ما معنى هذا الذي اكتبه اني لا اعرف ماذا اعني به ولكني اعرف انك محبوبي واني اخاف الحب اني انتظر من الحب كثيرا فاخاف الا يأتيني بكل ما انتظر اقول هذا مع علمي بان القليل من الحب كثير الجفاف والقحط واللاشيء فالحب خير من النزر اليسير كيف اجسر على الافضاء اليك بهذا وكيف افرط فيه لا ادري الحمد لله انني اكتبه على الورق ولا اتلفظ به لانك لو كنت الان حاضرا بالجسد لهربت خجلا بعد هذا الكلام ولاختفيت زمنا طويلا.

ونضيف في هذه الرسالة: غابت الشمس وراء الافق ومن خلال السحب العجيبة الاشكال والالوان حصحصت نجمة لامعة واحدة هي الزهرة الهة الحب اترى يسكنها كأرضنا بشر يحبون ويتشوقون ربما وجد فيها من هي مثلي، لها واحد جبران حلو بعيد هو القريب تكتب اليه الان والشفق يملأ الفضاء وتعلم ان الظلام يخفق الشفق وان النور يتبع الظلام وان الليل سيخلف النهار والنهار سيتبع الليل مرات كثيرة قبل ان ترى الذي تحبه فتسرب اليها كل وحشة الشفق وكل وحشة الليل تلقي بالقلم جانبا لتحتمي من الوحشة في اسم واحد جبران. وتبلغ ذروة من ذرى الشجن والاسى الانساني وهي تخاطبه على هذه الصورة سادعوك اخي وصديقي ان التي لا اخ لها ولا صديق وساطلعك على ضعفي واحتياجي الى المعونة انا التي تتخيل في قوة الابطال ومناعة الصناديد.

وسأبين لك افتقاري الى العطف والحنان ثم ابكي امامك وانت لا تدري.

وقد اتعمد الخطأ لأفوز بسخطك علي وامتثل لامرك وسأتخيل الف الف مرة كيف انك تطرب وكيف تشتاق وكيف تحزن وكيف تتغلب على مادة الانفعال برزانة وشهادة لتستسلم ببسالة وحرارة الى الانفعال النبيل وسأتخيل الف الف مرة الى اي درجة تستطيع انت ان تقسو وإلى اي درجة تستطيع ان تحب وفي اعماق نفسي يتصاعد الشكر لك بخورا لانك اوحيت الي ماعجز دونه الاخرون.

استنادا الى رسائلهما هذه يتبين ان مي الموغلة في الحضارة الحديثة ظلت شرقية في اعماقها تنظر الى جبران كما تنظر اية امرأة شرقية الى رجلها فالرجل هو الآمر والمرأة هي التابعة وايا كان الرأي في هذه المسألة او سواها فان جبران فجر ذاتها واوصى اليها بمثل هذه الحكاوي الجميلة الخالدة التي بثت الحيوية في سيرتها اكثر مما بثتها كتبها فكان الذي يبقى عن الكاتب هو خلجات الروح ولحظات الوجد والكشف والبوح اكثر من اي شيء اخر.


جهاد فاضل