لا يمكن أن تمرّ الحلقة المخصصة من برنامج "صاحبة السعادة" للقاء المنتج محسن جابر صاحب شركة عالم الفن "أسست عام 1976" دون أن تكشف عن العملية المجهولة في دفتر صناعة الأغنية العربية في الربع الأخير من القرن العشرين.

هذه العملية لا تقف عند رجل صاحب أموال يدفعها لصانعي الأغنية أي إلى الشاعر والمغني والملحن وتنتهي المسألة عند هذا الأمر.

قليلة شركات صناعة الأغنية العربية في القرن العشرين، ولا نتحدث عن وكلاء الشركات الأجنبية أو موزِّعيها، فأول شركة يمتلكها منتج عربي هي بيضافون "أسست 1911" لبطرس وجبران بيضا، وتوالت شركات أخرى مثل بوزيد فون "أسست 1958" لعلي الصقعبي، ومصرفون "أسست 1959" للفنان محمد فوزي، ورياض فون "أسست 1965" للشاعر لطفي زيني والفنان طلال مداح، وموريفون "أسست 1969" لموريس إسكندر وأخريات..

إن سيرة جابر لتكشف عن تاريخ العملية الإنتاجية في حقل الغناء العربي التي مرت، ومثيلتها العملية الإنتاجية في حقل السينما، بولادات متعسرة، فقد التحق بعد تخرجه بالعمل في شركة صوت الحب التي يمتلكها المنتج عاطف منتصر – ابن خالة جابر-، وتمكن من تكريس مهامه في التسويق وخلق منافذ البيع في مصر.

وانطلق جابر في إنتاجه الأول مع الفنان محمد الكحلاوي المتخصِّص في الأناشيد الدينية عام 1976 غير أنه جابر تمكن لاحقاً من خلق حراك ثقافي في حقل الغناء المصري حين جمع ما بين حناجر عربية مكرسة، ومثيلها الشعراء والملحنون، وأصوات مصرية مثل السيدة وردة وفايزة أحمد ثم عفاف راضي وميادة الحناوي وعزيزة جلال ومن بعد ذلك عمرو دياب وسميرة سعيد وأنغام وهشام عباس وسواهم..

على أن شركة صوت الحب تنازع الإنتاج فيها ما بين السينما والغناء إلا أن شركة صوت القاهرة التي أسست 1977 "إثر تأميم مصرفون عام 1965"، وشركة موريفون لإسكندر شكلت مع شركات لاحقة نشطت في الربع الأخير من القرن العشرين مثل سونار وروتانا والنظائر وميوزك ماستر وفنون الجزيرة، منافسة في صناعة الأغنية العربية.

وقد عاشت شركة عالم الفن تحولاً ما بين إشارة جابر نفسه في تعدد الأنماط الغنائية التي ركز على إنتاجها كالأناشيد الدينية مع الكحلاوي أو أناشيد الأطفال مع عمار الشريعي وعفاف راضي، ثم رعاية الفرق الغنائية مثل الفور إم والأصدقاء، عدا عن الارتكاز الأساسي على أعمال المطربات الكبيرات مثل شادية وفايزة أحمد ثم وردة وميادة الحناوي وعزيزة جلال ولاحقاً عمرو دياب وسميرة سعيد.

لكن الملفت مما لا يقوله صراحة –أي: جابر- هو أنه اعتمد على بوصلة الحدس الإنتاجي في طريقين: أولاً، الجمع بين الكبار أي الحناجر والشعراء والملحنين وهو ما حدث حين جمع شادية مع عمار الشريعي وفايزة أحمد مع سيد مكاوي، وثانياً، محاولة اكتشاف الأصوات الجديدة ودعمها من الإطار العربي مثل ميادة الحناوي وأعمالها الغنائية مع بليغ حمدي بأغنية "الحب اللي كان" "1979" أو عزيزة جلال وانطلاقتها مع محمد الموجي بأغنية "هو الحب لعبة" "1980" أو من الإطار المصري مثلما حدث مع فرقة الأصدقاء "1980-1986"، المؤسسة من عمار الشريعي، والمتكونة من أصوات انطفأت في أقل من عقدين مثل: علاء عبدالخالق ومنى عبدالغني وحنان ثم هدى عمار "بغير عليك" "1994"، وآمال ماهر "اسألني أنا" "2006".

كما يمكن ملاحظة أن جابر استفاد من تجارب السابقين لصناعة تجارب اللاحقين، فإن تعاون جابر مع فايزة أحمد وميادة الحناوي وعزيزة جلال ليكشف أنه استوعب دروس وردة في نجاحاتها المهولة في أقل من عقد أي منذ عام 1972 مع بليغ حمدي ثم مع حلمي بكر عام 1974 ثم مع محمد الموجي عام 1975 ثم عام 1977 مع سيد مكاوي ثم مع محمد عبدالوهاب عام 1978.

حينما انفصلت وردة عن بليغ حمدي دعي الأخير إلى الإقامة في دمشق من المنتج صبحي فرحات عراب انطلاقة مواطنته ميادة الحناوي حيث هندسها إنتاجياً جابر وعندما أشار حمدي على الأخير بصوت عزيزة جلال، فانطلق معها بلحن لمحمد الموجي، وبعد انفصال فايزة أحمد عن زوجها الملحن محمد سلطان عام 1981 شرَّع باباً ما بينها وبين ألحان سيد مكاوي..

وما يمكن أن نتلمسه أيضاً أن جابر يعتمد على الحناجر المكرسة ليخطو معها نحو درجات متقدمة فهي مكرسة وصنعت مسيرتها بموهبتها وإمكانياتها غير أن التحاقها مع جابر منحها مناطق جديدة مثل السيدة وردة "بتونس بيك" "1992"، وعمرو دياب "نور العين" "1996"، وأنغام "ليه سبتها" "1997"، وسميرة سعيد "يوم ورا يوم" "2002".

يفكر جابر بصناعة الأغنية كمنتج يواكب المتغيرات التقنية ويقونن حقوقها ومداها كما يفكر في حناجر وأغنيات لزمن قادم..

إنها مسيرة منتج لكنها علامات في دفتر صناعة الأغنية العربية..