أعظم جريمة يمكن أن يرتكبها الإنسان هي (القتل) ولذلك تحظى بكل الأنظمة القانونية في العالم بأشد العقوبات، ولا يمكن ان تخرج في الغالب عن الاعدام أو السجن المؤبد فهي جريمة لا تتعلق بالحق الخاص وحق أهل المجني عليه واصحاب الدم بالاقتصاص من المجرم القاتل وحسب وإنما تتعلق بالدولة والمجتمع والأمن الاجتماعي.

القتل العمد عقوبته في الشريعة القتل وهو حقٌ في الأساس لأهل الدم متى ما تنازلوا عنه أو تنازل أحدٌ منهم فإنه لا ينفذ القصاص وتبقى العقوبة التعزيرية التي تشكل الحق العام والتي في الغالب قد لا تتجاوز السجن لخمس سنوات ومن هذه النافذة نشأت تجارة السمسرة بالدماء وفرسانها رجال دين ورجال قبائل وتتحرك عبر ثلاثة محاور؛ القاتل وأهل الدم واصحاب الثروات، بحيث يتم اقناع اهل الدم أو أحدٌ منهم بالتنازل عن القصاص والقبول بالدية ويبدأ السماسرة بحشر النصوص الدينية والاعراف القبلية للضغط على أهل الدم حتى يتم قبولهم من حيث المبدأ، وهنا تبدأ المرحلة الثانية من عمليات سمسرة الدماء وهي تحديد مبلغ الدية حيث لا يمكن تصور القبول بالدية الشرعية التي لا تتجاوز اربعمئة الف لانها لا تحتاج الى سماسرة فمبجرد التنازل وقبول الدية يحكم بها شرعا الا ان عصب هذه التجارة يرتكز أساساً على المبالغ المليونية الفلكية والتي يصب جزء منها في جيوب الوسطاء والذين تكون مهمتهم في المرحلة الثالثة هي اقناع الاثرياء بدفع الدية لإنقاذ القاتل من القصاص وتكون الوسيلة إعادة ضخ ذات النصوص الدينية التي سبق وان استخدموها لاقناع اهل الدم بالتنازل وتطور الأمر إلى استخدم وسائل التواصل الاجتماعي للمشاركة في جمع الدية المليونية وإعلان ارقام حسابات غالبيتها غير مراقب ولا ينضبط بقواعد جمع التبرعات، وبعد ان ينجحوا بجمع المبلغ؛ توزع الحصص ويخرج القاتل من محبسه بعد ان يمكث سنوات قليلة في الحق العام لا تتلاءم وبشاعة جريمة القتل.

أنا شخصياً لست ضد التحرك للتوسط لاقناع اهل الدم في العدول عن طلب القصاص واستيقائه وذلك تحقيقا للنصوص الشرعية التي ندبت وحرّضت عليه إلا أن ذلك لابد ان يكون من خلال مؤسسات المجتمع المدني بحيث لاتكون تجارة والأهم من ذلك ان تُسن عقوبة تعزيرية في الحق العام من قبل المحكمة العليا في جرائم القتل العمد لا تقل عن خمس وعشرين سنة لان التنازل عن القصاص وإعتاق رقبة الجاني لا يعنيان انتفاء أنه مجرم ارتكب اعظم جناية وهي القتل وان بقاءه في المجتمع يعد خطرا جسيماً على الناس كما ان عدم تشريع عقوبة تعزيرية رادعة بحق القاتل يؤدي الى الاستخفاف بجريمة القتل وانتشارها وتزايد موجة العنف وهو أمر غاية في الخطورة على المجتمع والدولة فالتوازن هو الحل حيث الترغيب في العفو عن القصاص والتشدد في العقوبة التعزيرية حتى يرتدع من يظن ان إزهاق الروح ستمحوها ملايين الريالات وينجو بفعلته من العدالة.

aallahem@gmail.com