أعلنت الشركات المدرجة في السوق السعودية أرباحاها للسنة المالية 2015 بتراجع 13% عن 2014، إذ انخفضت الأرباح من نحو 113 مليارا الى 98 مليار ريال على التوالي. وشهد الربع الرابع تراجعا ملحوظا في أرباح معظم الشركات المدرجة وفي كل القطاعات بدون استثناء، مايشير الى ضعف الاقتصاد خصوصاً في الربع الاخير من العام. ويعطي هذا دلالة على أن أداء الشركات خلال العام الحالي قد يكون أضعف من 2015 لعدة أسباب، أهمها ارتفاع التكاليف المتوقعة جراء ارتفاع أسعار الوقود، والكهرباء، والمياه. ويضاف اليها ارتفاع تكاليف التمويل التي ارتفعت بشكل كبير في 2016. فمع رفع الفيدرالي الأميركي سعر معدل الاحتياطي الفيدرالي 25 نقطة أساس، تبعها البنك المركزي السعودي (ساما) برفع الريبو العكسي 25 نقطة أيضاً. وكان سعر السايبور قبلها يتصاعد في الارتفاع منذ بداية 2015، فقد تضاعف سعر السايبور لثلاثة شهور من 80 نقطة أساس في بداية 2015 الى 170 نقطة أساس الآن، وهو مارفع تكاليف التمويل على الشركات السعودية بشكل كبير. ناهيك عن أن البنوك السعودية قد سارعت في رفع معدلات الإقراض بأكثر من 50 نقطة أساس على القروض مايساهم بالفعل في زيادة تكاليف الإقراض.

وعطفاً على ماتقدم، أعلنت بعض الشركات المدرجة عن تبعات ارتفاع التكاليف بعد ارتفاع أسعار الوقود والطاقة والمياة بنسب بين 5-10%، ولم تتطرق الى تبعات ارتفاع تكاليف التمويل التي تحدثنا عنها هنا، ما يشكل تحديا آخر أمام الشركات السعودية ومدى قدرتها على التنافسية (زيادة الكفاءة والفاعلية) خلال 2016. إذ سيؤدي هذا التحدي الى فرز الإدارات الجيدة والكفؤة عن غيرها، فالتحدي لن يكون مسألة ارتفاع التكاليف، بل وقدرة هذه الشركات على مقابلة الركود المحلي والإقليمي والعالمي المحتمل. فرفع التكاليف يعني أن الشركات ستتجه لرفع الأسعار، لكنها في نفس الوقت، ستشهد طلباً متواضعاً جراء الركود المحتمل، مايصعب معه تحقيق نمو جيد.

ولا يبدو أن هناك محفزات أو مؤشرات مستقبلية يمكن الاعتداد بها خلال 2016، فليس هناك توقعات متفائلة عن النمو الاقتصادي حتى الآن، وهناك توجه بارتفاع معدلات التضخم، وخفض معدلات التوظيف، ماقد يؤدي الى ارتفاع مستويات البطالة. ومع ذلك فهناك عوامل انقاذ يمكن التعويل عليها إذا فعلت في الاتجاه الصحيح. ومنها الإنفاق الحكومي الذي يجب أن يستمر بقوة، ولعل اعلان موزانة 2016 بإنفاق 840 مليار ريال مؤشر جيد على قدرة الحكومة على الإنفاق بقوة، لكن هذا الإنفاق يجب أن يكون سريعاً ويبتعد عن التعقيدات البيروقراطية، خصوصاً نفقات تمويل مستخلصات المشروعات القائمة، والتأكيد على مواصلة الإنفاق للمشروعات المخطط لها، حتى نتجاوز الركود المحتمل حدوثه في حال التباطؤ في الإنفاق. وتأتي مؤشرات التفاؤل الأخرى ثانية في الأهمية بعد الإنفاق الحكومي، ومنها التوقع الضعيف بعودة أسعار النفط للارتفاع، وقدرة الاقتصاد السعودي على جذب استثمارات أجنبية. فالمنطقة التي تعيش اضطرابا سياسيا واقتصاديا، يصعب معها جذب الاستثمارات الأجنبية المستهدفة، ومع ذلك فإن التحركات الحكومية الأخيرة في عقد صفقات استثمارية ضخمة مع الصين وفرنسا وروسيا، قد تسهم بشكل وبآخر في جلب الاستثمارات، الا أن مثل هذه الاستثمارات قد تأخذ وقتا أطول مما يجب في تحفيزها للاقتصاد المحلي.

باختصار، قد تكون 2016 سنة صعبة، لكنها سنة امتحان جادة، لقدرة الحكومة على غلق العجز المتوقع وقدرتها على إعادة توجيه الإنفاق والاعتماد على النفط. وهي سنة امتحان جادة أيضاً للشركات السعودية في قدرتها على التأقلم مع المتغيرات الجديدة، وبقائها في المنافسة أو النمو، أو خروجها النهائيً من الأسواق. وستكون السنة الحالية مهمة جداً للأسرة السعودية في تعاملها مع مدخراتها ونفقاتها، وقدرتها على المشاركة في سوق العمل والتجارة بشراسة أكثر مما مضى. وفي الختام، يجب التذكير أننا مررنا بسنوات أقسى سياسياً وعسكرياً واقتصادياً، وتجاوزناها جميعاً بتلاحمنا وتماسكنا مع القيادة، فالقافلة تسير بتوفيق الله.