لا يكاد يمرّ من أمامك نص إلا ويعمل فيك عمل الموسيقى، أعني ذاك النوع من النصوص التي تمكّنك من حفظها والاحتفاظ بها، كلماتها تكشف عن حكمة وبساطة تجمع السلاسة والتعقيد في آن، "إنها دائماً تستخرج الذهب من الشيء العادي" كما قال عنها أحد النقاد، ولكن ماذا عن مبادئها الشعرية؟ إنها تتبنى غالباً موضوع "الهوية" في أعمالها الأدبية، إذ يتجلّى في شِعرها ثنائية ثقافية تروّجها بشكل جيد في شخوص عربية، تنقلهم بأحداثهم وأحوالهم من الضفة الغربية في الأراضي المحتلة إلى ساحة المشهد الشعري الأميريكي، ذلك أنّ نعومي شهاب ناي –التي تنحدر من أصول عربية- اسم ربما لم يسمع به الكثير من شغوفي القراءة في الأدب العربي الأميركي، هذا إذا كانوا يعرفون أصلاً –قبل الآن– عن وجود أدب يسمى "الأدب العربي الأميركي"، يزخر بأعمال كتّاب أميركيين ذوي أصول عربية، مثلما نعومي التي فرضت نفسها من بين أفضل "14" شاعراً في الولايات المتحدة الأميركية، متخطية الحواجز الجغرافية والأيديولوجية من أجل السلام الذي يمنحنا الانفتاح على الحياة والشعور بالاستمرارية.

لقد وُلدنا للشتات

للتأسُّف على سلالة تاهت

ما الذي فعلناه ببعضنا البعض

في كوكب متاح جداً

للقيام بأُمور أخرى؟

أول مجموعة شعرية ل "نعومي" صدرت سنة 1980م، تحت عنوان "كلمات شتى لتصلي" ثم تنامت أعمالها في عدد من المجموعات الشعرية: "معانقة صندوق الموسيقى"، "قفاز أصفر"، "حقيبة حمراء"، "وقود"، "تنويعات الغزال"، "أنتَ وأنتم".. الديوان الأخير حازت عنه جائزة إيزابيلا غاردنر للشعر، تبدو من خلال لغتها المتسامية ونصوصها العذبة والمرهفة وكأنها تكتب على الماء، تعيدك إلى أشياء العالم التي غالباً ما تغفل عنها، الأشياء العادية التي تبدو لك سطحية في الوهلة الأولى "كلمات تحت كلمات"، تلك الأشياء التي لم يأتِ على ذكرها أحد هي من تُوجد الحكمة في التفاصيل الصغيرة، شِعرها يعكس الإرث المتعدد والمنفتح بتسامح على تجارب الآخرين، تستشف هذا البُعد الشعري في أكثر من مفردة تجعلها شفافة وحيادية قدر الإمكان.

أين هو الاسم الذي

لم يجب النداء عليه أحد؟

غادر ليحيى بنفسه

تحت أشجار الصنوبر الفاصلة

بين البيوت،

بلا صديق أو فراش

بلا أب يروي له الحكايا..

حين سُئلت الشاعرة نعومي شهاب ناي: لماذا تكتبين؟ قالت: "أعرف لماذا أتوق إلى أن أكتب، إن جوعي الأول كل يوم هو أن أدع الكلمات تأتي من خلالي بطريقة ما، ولا أشعر دائماً أنني أنجح في عمل ذلك، وفي بعض الأحيان أشعر أنني مجرد جمهور لكلمات تطفو حولي وداخلي، ولكن الاحتمالات تبدو غير قابلة للنفاذ، لا أعرف أية قصة سوف تنبثق من بئر التجربة العميقة هذه، ويدهشني دائماً كيف أن هناك شيئاً لأعمل به كل صباح".. راقب كيف تمكنت بمرونة لغتها أن تخرج عن السائد لتسبقه، تتنحى عن أي تعبير لغوي مكلّف طالما عمدت على الكتابة بمضامين إنسانية رفيعة لتستقر بها على مفترق ثقافتين مغايرتين.

الأهالي الذين يجتمعون

يغنون أغنية الزيتون طوال أيامهم

ترجوه عائلته

لا تذهب إلى هناك..

طفل في العاشرة يحمي الشجر

من غيره يمتلك هذا الجلد؟

"مثل المفتاح المدسوس تحت سجادة باب البيت، حَفِيّاً بالأغراب ومشمولاً بأمل قدوم زائرٍ والبيت خُلوٌّ من أهله.. حينها، يُمسي هو ربّ البيت، هو المُضيفُ ومُشعِلُ الأضواء والدّال على غُرفة الجلوس والجالب أكوابَ الشّاي. وسيُنسى لاحقًا ولا يُذكَرُ سوى البيت وأهله. هو يعرف ذلك، ولا يُمانع، وتلك مثلبة البشر، أو قُل، من مثالب قراءة الترجمات".. هذه كانت مقدمة الكتاب للمترجم أحمد العلي.