أعتقد أن أهم ماتم خلال عام واحد على بيعة الملك سلمان -حفظه الله- هو إعادة هيكلة الحكومة لتأدية دورها بكفاءة وفعالية عالية، ففي الأيام الأولى لعهده الميمون، تم إلغاء عدد كبير من المجالس واللجان العليا وتركيز صناعة القرار في مجلس الشؤون السياسية والأمنية ومجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية. وقد شهدنا تغيرا كبيرا في السياسة الخارجية السعودية من سياسة مسك العصى من المنتصف الى مسك العصى من طرفها الأعلى واستخدام طرفها السفلي بقوة تناسب حجم الحدث. فتم إعلان عاصفة الحزم بعد سيطرة الحوثيين بدعم من إيران والمخلوع علي صالح على معظم مناطق اليمن حتى وصولوا عدن، وأعلن موقف سعودي واضح وغير متزعزع بِشأن رحيل الأسد وعدم قبوله في أي تسويات قادمة، هذا على الرغم من تغير مواقف العديد من الدول مثل فرنسا وأمريكا، وانتهى العام بقطع العلاقات الدبلوماسية والتجارية مع ايران، وفي إطار العلاقات مع دول الجوار والدول الإسلامية الأخرى فقد استخدمت سياسة التقارب وحماية المصالح المشتركة مع حد أدنى من حماية المصالح الخاصة لكل دولة على حدة، فهي تغاضت عن تصرف بعض دول الخليج في علاقاتها مع إيران، وغضت الطرف عن التقارب التركي الإسرائيلي، وحافظت على علاقة قوية مع السيسي، وجذبت السودان إلى صفها بالكامل، وحافظت على علاقاتها الوثيقة مع باكستان والنخب المؤثرة هناك، وعلى المستوى الدولي، حافظت حكومة الملك سلمان على علاقات المصالح المشتركة مع القوى العظمى بدون التنازل عن مواقفها الثابتة تجاه القضايا الإقليمية، حيث تعاملت بتوازن مع أمريكا، وروسيا، وأوروبا، واتبعت سياسة "إن تقدمتم خطوة تقدمنا خطوتين والعكس صحيح". لذا نجد أن السياسة الخارجية السعودية أصبحت أكثر براغماتية بوضوح وثبات أقوى.

وفي مجال النفط، يبدو أن المملكة في عهد الملك سلمان بن عبدالعزيز بدت عازمة على الاعتماد على المصادر المحلية كطريق أولي لتنويع مصادر الدخل، والابتعاد عن النفط تدريجياً، فهي بدأت أولاً بتنويع مصادر إيرادات الدولة بتقديم حزمة من الرسوم والضرائب، فبدأت برسوم الأراضي، مروراً بتخفيف الإعانات للوقود، مع رفع رسوم الخدمات العامة، وانتهاء بتوجهها السنة القادمة في تطبيق ضريبة القيمة المضافة، وبهذا التوجه، يبدو أن الحكومة تنوي أولاً تنويع مصادر الإيرادات حتى تصبح أكثر قوة واعتمادية على مصادر تمويل ذاتية، ثم التوجه الى تنويع الاقتصاد نفسه، وحمايته من الركود المحتمل، وزيادة معدلات التوظيف بين المواطنيين، وفي اعتقادي أن هذا التحدي هو الأهم والأصعب لكنه يجد دعماً شعبياً قوياً وإدارة اقتصادية فاعلة حتى الآن، ولعل أهم مؤشرات الفاعلية تكمن في قدرتها على رفع عوائد الاستثمار من نحو 21 مليار ريال الى أكثر من 37 مليار ريال خلال 2015 فقط، وفي اعتقادي أن لديها القدرة في رفع تلك العوائد بشكل أفضل خلال السنوات القادمة.

إن من الملاحظ في إدارة الحكومة لاستثماراتها ومن الأيام الأولى من البيعة المباركة هو فصل الصناديق الحكومية وشبه الحكومية من الإدارة المالية للبلاد، وعهد للوزارات المعنية بالإشراف على الصناديق الاستثمارية التابعة لها، كإشراف وزارة الخدمة المدنية على صندوق معاشات التقاعد، ووزارة الصناعة على الصندوق الصناعي، ووزارة الزراعة على الصندوق الزراعي، ووزارة الإسكان على الصندوق العقاري، وهي بداية موفقة لعزلها عن أدوات السياسة المالية والنقدية للبلاد، وهناك نية الآن لإنشاء صندوق سيادي حسب خبر رويترز الاسبوع الماضي، الأمر الذي سيفعل الاستثمارات السعودية بشكل أفضل ويعزلها عن السياسات المالية والنقدية للبلاد.

وفي اعتقادي أن الحكومة بإعادة هيكلتها الإدارية والمالية، والتي حدثت خلال عام واحد من تسلم خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان للحكم، أصبحت قادرة على العمل بقوة لتنويع حقيقي للاقتصاد، وهذا التنويع يجب أن يركز على القطاعات التي توظف المواطنيين بالدرجة الأولى وتزيد من مداخيلهم، وهذه هي العملية التنموية الفعلية التي نتوقع أن تحدث خلال السنوات القادمة، حيث ان من الواضح أن المواطن هو الأولى بالرعاية والاهتمام من لدن راعي البلاد حيث كررها في أكثر من مناسبة، آخرها في الخطاب السنوي في مجلس الشورى.