في كل مرة يتحدث فيها سمو الأمير محمد بن سلمان للصحافة الأجنبية يفصح عن سياسات اقتصادية قادمة. وكان حديثه الأخير لمجلة الإيكونومست الشهيرة هو واحد من أهم تلك اللقاءات في توقيته وفي المواضيع التي تحدث عنها. فتوقيته جاء في بداية العام وبعد اعلان الموازنة العامة للدولة فأوضح أن مزيداً من الانفتاح والخصخصة لأصول حكومية مازال في الطريق، ومقابل ذلك سنشهد ضريبة القيمة المضافة التي قد تكون أسرع مما نتوقع، حيث أشار سموه أنها ستكون بحلول 2017 تقريبا، بينما يتوقع الخليجيون أن تطبق في 2018. كل ذلك يأتي ضمن حزمة الحكومة الاصلاحية لرفع دخل الايرادات غير النفطية التي قد تصل الى مئات المليارات في السنوات القادمة، وقد تكون الايراد المفضل والمعتمد عليه بدون النفط. وهذا ماكتبت عنه بالتفصيل في المقال الأخير في هذه الصحيفة.

ويبدو أن عزم الحكومة على طرح أسهم شركة أرامكو قد حاز على الانتباه. فالشركة التي تعتبر مدر الدخل الأول للحكومة والتي تدير الثروة النفطية للبلاد ستكشف حساباتها ومداخيلها وأنشطتها التشغيلية للعموم، وستصبح مساهمة يمتلكها المواطنون والحكومة جنباً الى جنب (وقد يسمح للأجانب بالتملك فيها)، مايجعلها عرضة للمساءلة والمناقشة في توجهاتها الاستثمارية والتسعيرية عند انعقاد جمعيتها العمومية. وعلى عكس مايعتقد البعض من أن بقاءها بدون إدراج هو حماية للثروة السيادية للوطن، فإن إدراجها سيضيف الكثير الى أداء الشركة وافصاحاتها وشفافيتها في التعامل مع الثروة "الناضبة"، ويعزز دورها في تنويع أنشطتها، مايؤدي الى الاستفادة من هذه الثروة لأطول فترة ممكنه. وهذا مايطالب به الكثيرون في كتاباتهم ومناقشاتهم. كما أن الكثير من شركات النفط العالمية المعروفة مدرجة في أسواق الأسهم العالمية مثل اكسون وموبيل وبريتش بيتروليم، مايجعل من الأهمية بمكان طرح أسهم شركة أرامكو والتعامل معها كأي شركة نفطية أخرى.

وقد تساءل البعض عن فائدة طرحها للجمهور، وتبعات طرحها الاقتصادي على الحكومة، والاجابة ببساطة تتمثل في مشاركة المواطن وتملكه مباشرة في ثروة النفط الرئيسية، حيث سيمكنه ذلك من الحصول على توزيعات الأرباح مباشرة الى حساباته البنكية. وبالنسبة للحكومة فإن بيع حصة محددة في أرامكو سيمكنها من الحصول على ايرادات ضخمة تساعدها في تطبيق برامجها التنموية، كم يمكنها من اعادة استثمار جزء من مبالغ البيع في مصادر تنموية مدرة للدخل بعيداً عن النفط. وهذا يعزز من ايرادات الدخل الحكومي ويساعد في تنويعه.

ولعنا نلاحظ من هذا المثال، وهو طرح أسهم شركة ارامكو، أن لدى الحكومة الكثير لفعله في تنويع مداخيلها الاستثمارية. وأعتقد جازماً أن ادارة الاستثمارات الحكومية يمكنها أن تكون موردا رئيسا لدخول وأجور الأفراد، فنحن حتى الآن لم نستغل ثروات البلد السياحية والتعدينية والخدمية والتي أشار اليها سموه في حديثه. وهو ما يتطلب وضع استراتيجية استثمارية جديدة ضمن برامج التحول الوطني مايخلق نوعا من الاطمئنان على ادارة اصول واحتياطيات الحكومة ويخفف الضغوط على الريال، ويفصل الاستثمارات بشكل واضح وشفاف عن أدوات السياسات المالية والنقدية بتبني صندوق سيادي وصندوق استثمارات طارئة لاستخدام موارده على سبيل المثال في الحالات الطارئة جداً.

اضافة الى ماذكر، مازلنا ننتظر مع كل هذه الاصلاحات "الاستثمارية" و "المالية"، سياسات الحكومة لرفع الدخول الحقيقية للمواطنيين، وتبني استراتيجات جديدة في سوق العمل والتوطين، وقطاع الصناعة، والقطاع الخدمي، وهي جميعها ستكون أكبر موظف وأكبر داعم لدخل المواطنين. وأعتقد أن كل هذا في الحسبان لكننا نريد أن نرى ونسمع كيف ستكون ضمن برنامج التحول الوطني.