شهدت البشرية تكاثر ظهور منتجات جديدة، وبوتيرة متسارعة منذ بدايات القرن السابق نتيجة لتنامي المعرفة الإنسانية واستثمارها في منتجات وخدمات حققت عوائد مالية وفوائد للإنسانية. ثم تطورت وسائل ومناهج ومؤسسات الابتكار لاستثمار المعرفة المضطردة النمو نتيجة للإنفاق على البحوث من المؤسسات الحكومية والتجارية باعتبار المعرفة مورداً اقتصادياً هاماً، مما أدى فيما بعد لاعتماد حكومات العالم الصناعي منهج التحول إلى اقتصاد قائم على المعرفة كهدف

لتنمية اقتصاداتها، وقد أصبحت القدرة على الابتكار المستمر هي مقياس للقدرة على النمو والتنافسية بين الشركات وعلى مستوى الدول. ومع مرور الأزمات المالية الدولية ظهر الابتكار كحل للخروج من الركود الاقتصادي، ونهوض الشركات واستعادة قدرتها على العمل وانطلاقها من جديد.


د. عبدالعزيز بن إبراهيم الحرقان

نقدم هنا نتيجة لاستطلاع حال الابتكار في الشركات السعودية شمل أكثر من ثلاثمئة شركة ومؤسسة سعودية.

إهمال سياسة حيوية تنافسية يؤدي لموت سريع للمنشآت

من نتائج الحديث مع التنفيذيين في الشركات الكبرى في المملكة أتضح وجود لبس بما يعنيه الابتكار وبأهميته لنمو وازدهار الشركات، فكثير منهم خلط بين الابتكار قضايا وحالات لا تمس له بصلة، أو أنها تتعلق بجوانب محددة منه فقط. الملاحظ أن كثيراً من مؤسسات وخبراء الابتكار يعتبرون كلمة "الابداع" Creativity تعني الابتكار innovation وهما كلمتان مختلفتان في المعنى الاصطلاحي، والبعض يعتبر عمليات التسويق كافية بحد ذاتها لتؤدي إلى إنتاج منتجات وخدمات مبتكرة، والآخر يعتبر نشاطات حل المشاكل في المنتجات هو المعني بالابتكار فقط.

التنفذيون يعانون من لبس بين مفهومي الابتكار والإبداع

68% من المديرين في الشركات السعودية يرون أنها ضرورية

ويجب أولاً أن نتعرف على المعنى الاصطلاحي لكلمة "ابتكار" قبل الاستطراد في هذا النقاش، معهد ستانفورد الدولي للأبحاث، أحد أهم المنظمات البحثية الرائدة في مجال العمل الابتكاري، يعرّف الابتكار بأنه "إنشاء وتقديم خدمة أو منتج ذي قيمة للعميل المستهدف ضمن سوق تجاري مع تحقيق قيمة مستدامة للمؤسسة المنتجة" ويحدد التعريف الابتكار بأنه هو مجموعة من العمليات تبدأ من براءة اختراع أو بحث علمي أو فكرة وتنتهي بمنتج أو خدمة ذات فائدة أو "قيمة". يقوم بهذه العمليات مجتمعة فرد واحد، أو فريق عمل متخصص، من خلال مؤسسة تهدف إلى

تحقيق عائد مالي مجزٍ يدفعه العميل نتيجة لتقديره واحتياجه للفائدة المتحققة من وراء استخدام الابتكار فيما يُعرف ب"قيمة العميل"، المنشآت التجارية التي تفهم هذا المنهج وعلاقة الابتكار بقيمة العميل، هي من يستطيع إطلاق طاقتها الابتكارية الداخلية، ويدعم التحسين المستمر لوضعها في الأسواق، ويخلق لها ميزة تنافسية أو تميزاً خاصاً بها بين المنافسين الحاليين وفي المستقبل.

تعتمد الشركات الرائدة في الابتكار على "سياسة الابتكار الداخلية" تنظم السياسة بشكل عام نوع ومجالات الابتكار الذي تتبناه الشركة، والإجراءات والعمليات المؤدية إلى تنمية بيئة الابتكار في الشركة بشكل متكامل مع سياسات وإجراءات العمل التجاري والإداري في الشركة. تنظم السياسة إجراءات تولد الأفكار المبتكرة وإجراءات وضوابط رعايتها ونموها، وأساليب تمويل التطوير والإنتاج، وبرامج البحث والتطوير، ومنهج المشاركة في النجاح مع الأفراد المطورين للابتكارات، وغيرها. وتؤثر هذه السياسة على بعض إجراءات العمل فمثلاً تضع مؤشرات لأداء الموظف تقيس فيها عدد الأفكار التي طورها والمشاريع التي عمل فيها لأغراض الترقية، أو المكافآت السنوية.

فعدم اعتماد سياسة حيوية تنافسية للابتكار يؤدي لموت سريع للشركات، أبرز أمثلة ذلك موت شركة زيروكس Xerox التي كانت المسيطرة والمحتكرة على سوق آلات التصوير والطباعة المكتبية، كان ترتيب الشركة في عام 1990 الواحد والعشرون بين الشركات الأمريكية الخمسمئة الكبرى، عدم قدرة الشركة على المنافسة بمنتجات ابتكارية، جعل الشركة تنهار في عام 2001. وهذا ينطبق على شركات كثيرة اندثرت خلال السنوات الماضية بسبب عدم قدرتها على الابتكار أو الابتكار بالسرعة المناسبة. وانتشرت مؤخراً مقولة "أبتكر، والا سوف تموت" وظهرت عدة كتب متخصصة لشرح أهمية الابتكار لحياة المؤسسات وبعنوان مماثل.

أنواع المنظمات الابتكارية

المنظمات القادرة على الابتكار سواء كانت شركات كبرى، أو مؤسسات حكومية، أم مستثمرين رياديين لا تعتمد جميعها على البحث والتطوير في معاملها باعتباره محرك ومصدر للابتكار. توجد عدة أنماط مختلفة من نشاطات الابتكار أثبتت نجاحها وتبنتها الشركات والمؤسسات الابتكارية ووضعتها شركات ضمن سياسة الابتكار لتحقيق نمو، وتنويع المنتجات، ومواجهة المنافسة، ويمكن تلخيص أنواع المبتكرين حسب ترتيب أولوية الابتكار:

1- الاستراتيجيون: يعد الابتكار مكوناً أساسياً لسياسة هذه المؤسسات في رؤيتها وخططها بعيدة المدى، وتجد لديهم برامج متخصصة للبحث والتطوير بشكل مستمر لتطوير الابتكارات، وتخصص جزءاً كبيراً من عائداتها المالية ومواردها العينية والبشرية لهذه البرامج.

2- حسب الضرورة: تقوم الشركات بأداء البحث والتطوير إلى جانب تطوير الابتكارات داخل مقرها عند الضرورة، إلا أن الابتكار ليس نشاطاً استراتيجياً أساسياً لها. وغالباً ما تركز جهود البحث والتطوير الخاصة بها على تكييف التقنية الجديدة التي طورتها شركات أخرى لتتوافق مع منتجاتها وخدماتها.

3- هندسة الإنتاج: تعتمد هذه الشركات على تعديل منتجاتها أو عملياتها الحالية من خلال أنشطة لا تستند إلى البحث والتطوير. والابتكار في مثل هذه الشركات يتمحور حول هندسة إنتاج الخدمات والمنتجات.

4- اقتناء التقنية: تبتكر هذه الشركات من خلال تبني ابتكارات الشركات الأخرى وتقديمها بشكل مختلف أو ضمن منتجاتها باسم تجاري خاص بها.

بالرغم من وجود عمليات ابتكار في الشركات السعودية كما أشار المديرين، إلا أن 92% من الشركات ليس لديها سياسة ابتكار مكتوبة ومنشورة ومتاحة لكل موظفي الشركة، ويبقى الابتكار نتيجة لمجموعة من النشاطات والممارسات التسويقية والإنتاجية أكثر منه سياسة لها إجراءات مرتبطة بأعمال الموظفين اليومية. كما أن أهداف الشركات السعودية من الابتكار مختلفة جذريا عن الشركات الدولية، التي تركز بشكل أساسي على تنمية الابتكار لتعزيز قدراتها التنافسية، وفتح أسواق جديدة. فما بلغ نسبته 72% من الشركات تعتمد نشاطات الابتكار لرفع مستوى ربحية الشركة. 27% لرفع رضا العملاء عن منتجات الشركة وتحسين مدى فاعلية المنتجات أو الخدمات. 26% من النشاطات الابتكارية للشركات السعودية لمواجهة المنافسة، من خلال تقديم منتجات وخدمات جديدة. بدون وجود سياسة متكاملة للابتكار، فإن تأثير أي نشاط ابتكاري يبقى محدود التأثير، ولا يعدو كونه إطلاق مسمى "الابتكار" على نشاط تقليدي، لأهداف تسويقية، أو دعائية.

نشاطات الابتكار

المنتجات والخدمات المبتكرة تظهر نتيجة عمليات مختلفة ضمن دورة حياة المنتج. وقد أدت دراسات ضهور ونمو الابتكار إلى وضع تصنيفات للنشاطات المؤدية إلى الابتكار بهدف المساعدة على تحقيق قاعدة للنقاش والدراسات البحثية، وأيضاً في بناء سياسة الابتكار بشكل دقيق ومفصل. يوجد عدة تصنيفات لهذه العمليات، ولكن عموما يمكن تلخيصها كما يلي:

1- الابتكار الطبيعي: هو يشمل نشاطات الأعمال التجارية التقليدية التي تحدث بشكل مستمر وبدون الحاجة لعمليات متخصصة في الابتكار والبحث العلمي. ينتج الابتكار الطبيعي بهدف رفع القيمة التنافسية لمنتجات وخدمات قائمة بالفعل، من خلال تخفيض التكاليف، زيادة سرعة إنتاج مخرجات معينة، أو تحسينات في المنتج أو الخدمة.

2- الابتكار التنظيمي: استغلال مواد وخدمات جديدة وتقديمها في الخدمات والمنتجات الحالية بهدف رفع قيمتها، وقد يشمل ذلك إنتاج نماذج عمل أكثر كفاءة أو جديدة كلياً.

  1. الابتكار التدريجي: إضافة قيمة إضافية للمنتجات والخدمات على مراحل زمنية متباعدة استجابة لطلب العملاء أو لمكافحة منافسة محتملة، مع المحافظة على قدر من الاستمرارية في العملية أو الخبرة الإنتاجية.

4- الابتكار المدمر: وهو منتج أو خدمة يبدأ صغيراً غير ذي بال وبمواصفات غير جذابة لكثير من العملاء، وأحياناً في قطاع مهمل، ثم يحقق نجاحات متسارعة تقضي على منتجات وخدمات كانت سائدة في الأسواق. وأبرز مثال على ذلك الشاشات الرقمية التي بدأت في الظهور في أجهزة الجوال بدون ألوان وبدقة متواضعة ولتتطور مع الزمن وتنهي شاشات التلفزيون "الكاثودية" وتحل مكانها.

5- الابتكار الجذري: وهي ابتكارات قل ما نراها ولكن حينما تحدث تتسبب في تغيير هيكلي وشامل في الخدمات والمنتجات، وقد يؤدي إلى ظهور فروع جديدة تماماً من الصناعة، مثل الإنترنت، ومحرك الاحتراق الداخلي. كثير منها نتيجة بحث علمي أو اكتشاف استغلال أو استخدام لظاهرة طبيعية، وغالباً ما تؤدي إلى انقراض صناعات أو نشاطات تجارية تقليدية.

انحصرت نشاطات الشركات السعودية في الأنواع الثلاثة الأولى بنسب مختلفة، فالابتكار الطبيعي يحدث في كل الشركات، بينما يحدث الابتكار التنظيمي في 47% منها، ولكن الملاحظ تتفاوت عالي في مستوى تحققه وبشكل ملفت للنظر خاصة في مجال تخصيص الموارد المطلوبة. فالبعض يخصص فريقاً متخصصاً، والآخر يجعل ذلك بناء على الصدفة ومتى وجدت الفرصة المناسبة. الابتكار التدريجي يحدث أيضا في معظم الشركات بما نسبته 86%.

أثبتت عدة دراسات وجود عوامل ثقافية واجتماعية تحفز نشاطات الابتكار تتمثل في وجود قاعدة للحوار والنقاش بشكل مستمر وفي أجواء يسود فيها الثقة بين الأطراف. لذلك تعد بعض الشركات المبتكرة بيئة العمل لتكون محفزة لتحقق هذه العوامل مثل وجود المقاهي، وحدائق، ومراكز رياضية، وصالات ترفيه، ومكاتب مفتوحة، وتوزيع الموظفين بشكل عشوائي على المكاتب، وغيرها. لا وجود لهذه الممارسات في كل الشركات السعودية، وقد توجد بعض أماكن الترفيه ومزاولة الرياضة، ولكنها مصممة بشكل تقليدي لا يحفز على التواصل الاجتماعي بما يؤدي إلى الابتكارات أو تحسين أسلوب تنفيذ العمل.

فجوة فهم الابتكار

أوضحت الدراسة أمران مهمان، الأول هو أن أنواعاً مختلفة من الابتكارات تنتج في المملكة بدون وجود سياسة أو استراتيجية للابتكار، والآخر هو وجود فهم الخاطئ لقضية الابتكار، مع الاعتراف بأهميته في ذات الوقت، من الطبيعي أن يوجد فجوة بين المعرفة النظرية ومدى تطبيقها، وبين النظرية والواقع، ولكن ما نشهده هنا نوع من الضبابية المؤدية إلى تنفيذ مشاريع ابتكارية بكفاءة منخفضة، وبجود خطة طريق تحقق نمواً مستمراً ومزدهراً.

يعتقد 68% من المديرين في الشركات السعودية بأن الابتكار ضروري لحياة ونمو وتطور الشركة، بينما 94% منهم أعطوا تعريفاً يعبر عن فهم غير صحيح لماهية الابتكار. حينما يعتقد المدير بأن الابتكار مهم وحيوي ولكن لا يستطيع أن يشرح ما هو الابتكار فإن هذا يمثل فجوة ما بين المعرفة النظرية والتنفيذ الفعلي، ويتعارض مع واقع قدرات الشركات السعودية والتي وأن كانت ذات ابتكارات قليلة إلا أن لديها ما يكفي من الابتكار للبقاء والاستمرار وتحقيق المنافسة الدولية.

فجوة فهم الابتكار ينعكس تأثيرها على كيف يتم الابتكار في هذه الشركات. 3% فقط من الشركات لديها مختبرات، وإدارات متخصصة في تقديم ابتكارات للأسوق المحلية والدولية. 12% من الشركات لديها برامج إدارية بالتعاون مع شركاء استراتيجيين ومستشارين دوليين ولكنها تعمل في مقرات مستقلة عن الشركة خارج الحدود السعودية.

ففجوة الابتكار تتزايد لتصل إلى الموظفين، فمفهوم الابتكار لا يدخل ضمن التطور الوظيفي للموظفين في 94% من الشركات محل الدراسة، الموظف غير المتخصص أو الذي لا يعمل في إدارات البحوث والتطوير لا يحصل على مميزات مالية تتناسب مع العائد المحتمل، تكتفي بعض الشركات بمنح مبلغ مالي كجائزة، والبعض الآخر ينفذ نشاطات الابتكار من خلال مسابقات داخلية يمنح الفائز فيها جائزة عينية أو مالية. ومن جهة أخرى، تنظم كثير من بعض الشركات الدولية الكبرى برامج لتحفيز الابتكار والريادية لموظفي الشركة، واستثمار نتائج ابتكاراتهم ضمن منتجات الشركة ومكافأتهم بعدة وسائل مالية ومعنوية. ولا تتوفر برامج مماثلة لدى الشركات السعودية.

نلاحظ غياب برامج أو إدارات تختص بمساندة عمليات الابتكار في معظم الشركات السعودية مثل تصميم النماذج الأولية، وكتابة براءات الاختراع، وكما يلاحظ غياب الموظفين أو المسميات الوظيفية التقليدية التي تتوافر عادة في إدارات الابتكار. بينما تؤسس الشركات الدولية الناجحة إدارات ومراكز متخصصة ومرتبطة بكل إدارات الشركة، وتشجع موظفي الشركة على الاستفادة منها.

وفي الختام.. بماذا تختلف نشاطات وسياسات الابتكار السعودية عن العالمية؟ الاختلاف الأساسي هو في الهدف، فالشركات العالمية الكبرى أو الناشئة تهدف في برامج تنمية الابتكار لتحقيق النمو والانتشار خارج أسواقها وفي العالم كله، والى تأسيس أسواق جديدة بناء على مواردها الأساسية وميزتها التنافسية. والشركات السعودية تهدف إلى تحقيق عوائد مالية عالية والبقاء بشكل فاعل في الأسواق. وهذه الهدف محدود المساحة قاصر الرؤية، إذ لا تلبث الشركات الكبرى أن تصل لأسواقنا المحلية وتنتصر على الشركات المحلية.

بالنظر لأهمية الابتكار في تطوير المؤسسات ونمو الاقتصاد الوطني السعودي ولوجود لبس كبير في معرفة مفهوم الابتكار لدى التنفيذيين السعوديين، فيجب أن نهتم بتنمية الابتكار في المملكة، وأن نسلط عليه الضوء بشكل أكبر.

المؤسسات الداعمة للابتكار في المملكة تتوجه بشكل أساسي نحو قطاعين. المؤسسات الناشئة، والابتكارات الناتجة من البحوث العلمية. ولكن قليل جداً من المراكز توجه نحو دعم المؤسسات والشركات القائمة لتبني منهج للابتكار، وإن كانت شركات ومؤسسات كبيرة. لأن هذه المعرفة ليست متوفرة لدى كثير من المؤسسات، كما أن تجارب المبتكرين السعوديين الناجحة قليلة، ونماذج العمل المبتكر القابلة للتقليد والتنفيذ غير موجودة.