من أهم مؤشرات إعلان الموازنة السعودية هي تفصيلها لمؤشرات الإيرادات غير النفطية التي بلغت 163.5 مليار ريال في 2015 مقابل 126.8 مليار في 2014 بارتفاع 29%، وهي في نظري بداية جيدة لإعادة بناء وهيكلة الموازنة على أساس إيرادات ومصروفات نفطية، وإيرادات ومصروفات غير نفطية، حيث تركز الموازنة النفطية على إنفاق الفائض في استثمارات رأسمالية مثل الإنفاق على المشاريع، أولاً ثم استثمار الفائض في صندوق سيادي تحكمة سياسات أنظمة وإجراءات الصناديق السيادية مماثلة لما يحدث في الصناديق المماثلة. أما بالنسبة لموازنة الإيرادات غير النفطية فإنها تخصص للنفقات الجارية وتحديداً الأجور والمكافأت ومافي حكمهما والتي بلغت هذا العام 2015 نحو 450 مليار ريال، بمعنى آخر فإننا إذا افترضنا أن الإيرادات غير النفطية بلغت 163.5 مليار ريال، ونفقات الرواتب والأجور 450 مليار ريال، فإننا نحصل على عجز قدره 286.5 مليار ريال، وعليه نبدأ العمل على هذه الموزانة بتحسين أداء الإيرادات من المصادر غير النفطية. فعلى سبيل المثال، اشتمل جدول الإيرادات غير النفطية الذي نشر مع إعلان الميزانية السعودية على رسوم منتجات نفطية بلغت 16 مليار ريال في 2015، وبعد الزيادة في الرسوم النفطية فإنه يمكن زيادة هذا البند بمتوسط نسبة الارتفاع الذي حدث للديزل والبنزين والمشتقات النفطية الأخرى بنحو 40%. مايعني أننا قد نشهد ارتفاعا في هذا البند الى 22.4 مليار ريال، ويمكن زيادة بند الإيرادات المتنوعة -أتمنى أن تفصل في التقارير القادمة- والذي ارتفع بنسبة 149% في 2015 الى 25.5 ميار ريال بنسبة 50% أيضاً ليصل الى 38.25 مليار ريال. كما يمكن زيادة ايردات الاستثمار والذي ارتفعت بنسبة 81% في 2015 الى 37 ملياربنسبة 10% الى نحو 41 مليار ريال، ويمكن رفع الإيراد من الزكاة والدخل والتي زادت بنسبة ضئيلة 1.4% إلى 14.5 مليار ريال في 2015 بنسبة أعلى قد تصل 100% لتسجل 29 مليار ريال، وهناك بنود أخرى يمكن زيادتها بنسب أعلى لنحصل على أكثر من 200 مليار ريال في الإيرادات غير النفطية في العام 2016 فقط. ولأن الحكومة عازمة على ضبط النفقات والمصروفات وخصوصاً النفقات الجارية فإنه يمكن خفضها من 450 مليار الى 350 مليارا لنخفض العجز في الموازنة غير النفطية الى نحو 100 مليار ريال، وهذا هو الطريق الصحيح في معالجة الخلل الهيكلي في إعداد ميزانية الحكومة لنبتعد قليلاً عن موازنة النفط ونفعل غير النفطية لنتمكن بالفعل من معاجة العجز بالتركيز فقط على غير النفطية.

وهذا يتسق مع إعلان مجلس الوزراء عن موازنة الدولة السنوي بتبني عدد من الإجراءات التي وجه خادم الحرمين الحكومة لإجراء إصلاحات اقتصادية ومالية وهيكلية شاملة للعمل على تقوية وضع المالية العامة وتعزيز استدامتها ومواصلة اعتماد المشاريع التنموية الضرورية للنمو الاقتصادي، ومن بين هذه الإجراءات خفض الدعم الحكومي وزيادة الإيرادات غير النفطية بفرض مزيد من الرسوم وضريبة القيمة المضافة والتي ستؤدي الأخيرة الى جعل موازنة الإيرادات غير النفطية في فوائض كبيرة بعد تاريخ تطبيقها المتوقع في 2018. وإذا طبقت رسوم الأراضي البيضاء كما هو متوقع في 2017 فإن الفوائض قد تبدأ كبيرة من العام 2017، وهذا سيجعلنا في مأمن عن تقلبات سعر النفط، وفي نفس الوقت يسمح للحكومة السعودية باستخدام سياسات نفطية أكثر كفاءة وفاعلية من الهدر الحالي لمصدر ناضب. بل إن ذلك سيساعد الحكومة في تبني صندوق سيادي للأجيال القادمة من إيرادات النفط فقط، مايساهم في مزيد من تقليل الاعتماد على إيرادات النفط إلا في الحالات الطارئة والقصوى. إن تبني موازنة نفطية مقابل موازنة غير نفطية سيمكن الحكومة أيضاً من إجراء إصلاحات هيكلية حادة على قطاعات الاقتصاد الأخرى بحيث تصبح مراكز ربحية للمستثمرين، وكذلك للحكومة بدلاً من الممارسات السابقة التي تنظر الى بعض القطاعات كمراكز تكلفة ماجعل أي تقلبات حادة في أسعار النفط تنتهي بعجوزات ضخمة.