من نمطية التقارير التي ينشرها صندوق النقد عن الاقتصاد السعودي الى تقارير عملية مثل دراسة مكينزي الأخيرة عن الاقتصاد السعودي. والدراسة استخدمت نموذجا عمليا يوضح القصور الشديد في استغلال الطاقات الكامنة للقطاعات الاقتصادية الثمانية التي أوصت بها الدراسة، وإماكنية الوصول بها الى متوسط المعدلات العالمية. ورغم أن الكثير من الكتاب رأى أنها تطلب المستحيل عطفاً على الأداء التاريخي للحكومة، فإن الدراسة (كررت) أن الحكومة ستظل تلعب الدور الرئيس في تنفيذ خطة الدراسة، بمعنى آخر فإن الحكومة يجب أن تكون قادرة على تحسين البيئة التنظيمية والتشريعية وتنفيذها بدون عوائق، كما كان الحال الآن حيث تضطلع مسؤوليات التراخيص للمشروعات الاستثمارية بعدة جهات حكومية ما يقتل تشجيع الاستثمار.

وهو الأمر الذي يجعل من دور مجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية محورياً في سرعة تنسيق واتخاذ القرارات، ودراسة مكينزي اعتمدت على المؤشرات التاريخية للاقتصاد السعودي التي ترى أنها لم تلتزم بخطط الحكومة الخمسية مع انحراف عال بين المستهدف والواقع، لذا فإن التحدي الكبير الذي تواجهه دراسة مكينزي هو قدرة الحكومة على تهيئة الموارد البشرية والقطاع الخاص للتعامل مع التحديات القادمة.

إن من عيوب الدراسة أنها بالغت في نتائج سيناريو المقارنة بين بقاء السياسات الحكومية بالاعتماد على النفط كماهي مقابل الأخذ بتوصياتها، مايجعل عملية اختبار الدراسة مع السياسات الحكومية السابقة أمرا غاية في الأهمية تضطلع به وزارة الاقتصاد والتخطيط لتخرج هي الأخرى بما تحتاج اليه الخطة الخمسية العاشرة من تعديل في ضوء دراسة مكينزي، وفي ضوء ما يعقد الآن من ورش عمل حول برنامج التحول الوطني.

وبنظرة سريعة لمؤشرات دراسة مكينزي نرى أنها منطقية وقابلة للتحقيق اذا استطاعت الحكومة بالفعل أن تتحول الى منظم ومشرع ومنسق مقابل نفقات حكومية (أعتبرها تكاليف الاشراف الحكومي والمتابعة مع الخدمات اللوجستية والبنية التحتية التي تقدمها للقطاع الخاص وللموارد البشرية على حد سواء). وهو مايبرر مستقبلاً فرض الضريبة وازالة الإعانات الحكومية لتنويع مصادر الدخل للحكومة، وفي نفس الوقت تغطية تكاليف تحسين البيئة التشريعية والاستثمارية. لذا فإننا نتحدث عن اقتصاد شراكة بين ثلاثة أطراف: الحكومة، القطاع الخاص والمستثمر الأجنبي، والمواطن. ويجب أن تعمل هذه الثلاثة أطراف بفاعلية عالية لتحقيق أهداف الدراسة وإلا فإن أياً من أهدافها قد لا يتحقق. فالدراسة طلبت اضافة 6 ملايين وظيفة للسعوديين ونحو 4 تريليونات دولار في صورة تدفقات استثمارية من القطاع الخاص والمستثمر الأجنبي، ما يؤدي الى مضاعفة نمو الاقتصاد مرتين في 2030، لذا جاءت بالرقم السحري 246. ولعل ايماني بقدرة الاقتصاد السعودي للوصول الى هذه الأرقام يتأتى بضعف المؤشرات الحالية المخيبة للأمال عند مقارنتها بمتوسط المؤشرات العالمية. فإنتاجية العامل في السعودية (سعوديون وأجانب) لا تتجاوز 0.8% مقارنة بنحو 3.3% لدول العشرين التي تعتبر السعودية أحد الأعضاء. كما أن الوظائف للسعوديين التي طلبتها الدراسة تعادل 3 مرات ماحدث في الفترة 2003-13، وأن تدفقات الاستثمارات الأجنبية تعادل 3 أضعاف ماتحقق لنفس فترة العشر سنوات الماضية. كل ذلك تريده أن يتحقق خلا 15 سنة قادمة، مايجعلة أمر صعباً وتحدياً كبيراً لكنه قابل للتحقيق اذا أدت العناصر الثلاثة دورها على الوجه المطلوب.

لذا فإن السؤال الصعب هو هل يمكن أن تحقق الحكومة، القطاع الخاص، والمواطن معادلة مكينزي 246 في ظل الأوضاع السياسية والاقتصادية التي يمر بها الاقتصاد العالمي والسياسي، وعدم الاستقرار الذي تشهده المنطقة الشرق أوسطية، وصعوبة جذبها للاستثمارات مع زيادة مخاطر الحروب وانخفاض أسعار النفط، وضعف البنية التحتية، وتعود القطاع الخاص على الإنفاق الحكومي للنمو والتمويل، وتنافسية سوق العمل بين المواطن والوافد؟ وهي أهم المعوقات التي قابلت الحكومات السابقة وستظل تقابل الحكومة الحالية، وهي المصاعب والتحديات التي لم تجب عليها الدراسة، مايجعل من دور وزارة الاقتصاد والتخطيط ومجلس الشوون الاقتصادية والتنمية محورياً في تجاوز تلك المصاعب والتحديات، وإدماج دراسة مكينزي في واقع الاقتصاد ومشروع برنامج التحول الاقتصادي.