ها قد هلّت تباشير الشتاء، واستيقظت ميكروباته، وبدأت ترعى في أجساد الخلق ما شاء لها الرعي، عندها تعال وانظر لحالتي، وجه قد حمّره الاحتقان، وصوت قد ذبحته البحّة، وعظامٌ قد نخرها الوهن.. وهكذا هي حالي طوال فصل الشتاء، لا أكاد أرتاح أسبوعاً من فيروس حتى يستلمني الآخر، وهكذا دواليك. 

استيقظت صبيحة ذلك اليوم من صبائح المربعانية القارصة، على صوت الهاتف، فإذا صوت صديقي يُسلم عليّ ويُصبّح في حبور، نظرت إلى المرآة - وأنا لا أكاد أعرف تفاصيل وجهي المتورم من آثار الانفلونزا- ثم سألته: ما شاء الله، يبدو صوتك منشرحاً يا صديقي، ما الخبر؟ فقال : أبداً، هو الشتاء، ما أن يحل حتى تجدني هكذا، جذلاً مسروراً. نظرت إليه باستغراب وقلت:الشتاء؟!.. والله ما أثقل على نفسي من موسم كالشتاء.

قهقه ضاحكاً وهو يقول: وما حملك على هذا التحامل على فصلي العزيز، لا تقل لي انك من أصحاب الصيف وحَمَارة القيظ، قلت: نعم، أنا من أصحاب الصيف ولا فخر. قال: أنت شخصٌ عجيب، دعني أسألك ما الذي يروقك في الصيف؟، أجوه الحار أم نسيمه اللاسع؟، أيعجبك أن ترى نفسك وأنت غريق وسط ثيابك من العرق، وكأن أحدهم قد صب فوق رأسك دلو ماء؟، أم يعجبك طول نهاره الحارق، وقصر ليله الخجول؟، فلا شمساً سلمت، ولاجمالَ ليلٍ غنمت، قل لي: ماذا يعجبك فيه؟.

أما رأيت أن الشتاء فصلٌ رائقٌ، يكفيك فيه منظر سحائبه المتراكمة، ومطره المنهمر، حتى شمسه ما أحلاها، لا حر فيها ولا نصب. أما رأيتنا نزهو في ملابس الشتاء الملونة القشيبة، والمعاطف الدافئة الأنيقة؟! أم يعجبك الصيف بثوبه الأبيض الممل الذي ما نكاد نلبسه حتى نخلعه وقد وسخته الأتربة وأضناه العرق. أما ذقت لذة النوم في ليلة شتاء باردة، تضمك فيه بطانية دافئة حانية؟.

أما يكفيك أن يأتيك بعد الشتاء خير فصول السنة (الربيع)، وماذا بعد الصيف؟ خريفٌ ذابلٌ، تذبل معه الأشجار والأعمار.

أما جربت لذة السمر مع المحبين حول جمر طيب الرائحة، وفنجان قهوةٍ مبّهرةٍ تدغدغ أنفاسها روحك قبل جسدك، إذا لم تستمتع بالشتاء يا صديقي فقد فاتك الكثير من عمرك، ولا شك!..هل يكفيك هذا أم أزيدك من الشعر بيتاً؟!.

قلت:بل يكفيني ياصديقي. أما الآن فالدور لي. دعني أسألك أنت: ماذا وجدت في الشتاء غير بردٍ ينخر العظم، ويًجمّد الأطراف، ويُمزّق الجلد، قل لي ماذا يعجبك في الشتاء؟ إبعاده إياك عن الناس وأنت متكومٌ كالكرة تحت البطانية؟ أم تلك الملابس الثقيلة التي ترتديها، والتي لولاها لأصبحت من صيد أمس.

أما عن استثقالك حر الصيف وقيظه، أما علمت أن في ذلك من التدريب على الشدة وتحمل المشاق ما فيه، وانظر إلى آبائنا وأجدادنا كيف شدّ عودهم الصيف، وكيف قوى شوكتهم حرّه، وإن قلت انّ تحمل برد الشتاء يورث قوةً ومنعةً، فأقول لك: نعم، قد يكون، ولكن في ذلك ضعف من جهتين؛ أولاهما: تلك الملابس التي ينوء بحملها جسدُك، إن لها لكبير الأثر في تقليص هذا التحمل الذي تدعيه، وثانيهما: أننا أبناء الصحراء، ولسنا أبناء الثلوج، وتحمل الإنسان لشيٍء يعرفه ومن بيئته هو المطلوب، وهو الذي يُعاب عليه، أما مقاومتك الشيء لا تعرفه، ولست من أهله؛ فلا تُلام عليه إن لم تقدر عليه.

وأما عرق الصيف فهو للجسد ترطيب، ولسوائله الزائدة تصريف، ويكفي لكي ترتاح منه أن تأخذ (دُشاً) بارداً منعشاً يُنسيك عناء يومك كله، وأنّى لك بمثل هذا الدش في زمهرير الشتاء الذي يروقك؟

أما رأيت شدة اليوم البارد طول اليوم في ازدياد، لا تخف وطأته، ولا تنكسر شوكته، أمّا حر الصيف فأين تجده مع نسائم  فجره الباردة،، وأين تجده مع  هواء مسائه اللطيف، أما في نهاره فنحن إما في تكييف البيت أو السيارة أو المكتب – ولله الحمد والمنّة- فأنّى لك الشكوى من قيظه؟. ثم إن جمال الشتاء يكمن في بداياته ونهاياته، وهي لعمري ليست منه في شيء، فبدايته هي نهاية الخريف حيث يتعادل الفصلان، ونهايته هي بداية الربيع، حيث يُضفي على الشتاء من رونقه واعتداله ما يوهم الناس أنه من الشتاء، وما هو منه في شيء.!