لايمكن ملاحقة الأحداث المتسارعة التي شهدتها الرياض خلال الأسبوع الماضي. فقد استضاف الملك سلمان قمة مجلس التعاون الخليجي ليومين، واستضاف حفظه الله أطياف المعارضة السورية ليومين أيضا.

وتزامن مع ذلك ورش عمل حكومية عن التحول الاقتصادي الذي قد تشهده المملكة خلال السنوات القادمة. وبرعاية خادم الحرمين الشريفين، عقد رجال الأعمال السعوديون منتدى الرياض الاقتصادي لثلاثة أيام متتالية.

وخلال هذه الفترة الوجيزة نشرت مكينزي دراسة مطولة عن التحول والاستثمار في الاقتصاد السعودي (لم يتسن الاطلاع عليه حتى الآن). وفي خضم ذلك صدرت عدة مراسم ملكية، أهمها تعيين وزير للتعليم.

وعليك أن تتصور كيف يمكن قراءة والتعليق على هذه النشاطات فوق العادة. فالمجلس الخليجي عقد وهناك تسريبات للإعلام بتبني ضريبة القيمة المضافة خلال الثلاث سنوات القادمة.

ورغم أن تويتر هشتق هذه الضريبة، فإن المجلس لم يتطرق اليها البتة. وضريبة القيمة المضافة هي من أبسط أنواع الضرائب لكن تأثيراتها الاقتصادية، وخصوصاً على الطبقات المتوسطة والأقل منها ستكون باهظة، وستؤثر في أداء وربحية الشركات بالانخفاض، وستؤدي الى المطالبة برفع الأجور، وغيرها من التأثيرات التي قد لا تخدم التوجه الاقتصادي والاصلاحي المتوقع خلال السنوات القادمة.

وفي اعتقادي أن نشر دراسة مكينزي وما قد يتبعها من نشر للخطة الخمسية العاشرة للسعودية يجب أن يحظى باهتمام واسع من المحللين والمراقبين والكتاب وأطياف المجتمع الأخرى.

ولن يتأتى ذلك الا بوضع سياسة إعلامية وتعريفية بالتوجه القادم للتحول الاقتصادي تصل الى أكبر قدر ممكن من الناس حتى يمكن استيعابها والتعامل معها بقبول وإدراك. فالكثير من المحللين والمراقبين قد يسيئون تفسير القرارات ويستخدمونها في اجندات خاصة بعيداً عن المهنية والواقعية التي تهدف لها السياسات الاقتصادية.

فالمواطن لايتلقى رسائل واضحة ومكثفة من الحكومة بسبب التقصير والحضور الاعلامي الذي اكتفى بشكل كبير بالتلفزيون والاذاعة الرسمية والصحف اليومية، وتجاهل وسائل التواصل الاجتماعي التي أصبحت أكبر مؤثر في تشكيل الرأي العام. وتجاهلت بعض المؤسسات الحكومية انخراط المراقبين والمحللين والمواطنين بأطيافهم في ورش عمل حية ونشطة لمناقشة مستجدات الأحداث وجهاً لوجه مع صناع القرار وقادة الفكر ما يجعل التفاعل مع المستجدات أكثر سهولة وأكثر إقناعاً.

إن تفاعل المواطنين مع الاحداث السياسية في اليمن وسورية ومصر وغيرها من دول المنطقة مرده النشاط الكبير الذي تشهده وسائل التواصل الاجتماعي، وحرية المواطن في إبداء رأيه تجاه الأحداث الخارجية، وهو الأمر الذي سهل مهمة المملكة في اتخاذ قرارات جريئة وقوية في اليمن وسورية حيث وجود دعم شعبي كبير لهذه المواقف.

لذا فإن تفاعل المواطنين مع الأحداث المحلية سيشهد نفس الزخم متى ما أصبح هناك كثير من الافصاح والشفافية والتفاعل من قبل الحكومة. ما يجعل طرح القضايا الاقتصادية والتوجهات الحكومية المستقبلبية بشفافية عالية أمرا غاية في الأهمية.

لذا نحن نتطلع لإعلان الموازنة القادمة (كتجربة في الافصاح) حيث ستحظى بالكثير من المتابعة والمراقبة ما يجعل نشر تفاصيلها والقرارات التي تتضمنها غاية في الأهمية لأنها ستعطي مؤشرات قوية لتوجه الحكومة المستقبلي لكل القاطاعات، خصوصاً مع تراجع اسعار النفط وبشكل متسارع في الأسبوع الفائت بالذات لتسجل أقل من 38 دولاراً للبرميل لنفط برنت، بمعنى أن نفط أوبك قد يكون في حدود 34 دولاراً للبرميل.

إن القطاع الخاص الذي ناقش دراسات تنظيمية وتشريعية وكذلك عمالية في منتدى الرياض الاقتصادي في نفس الاسبوع يتطلع هو الآخر الى مزيد من شفافية الأنظمة وهيكلة الكثير منها، وأبدى أن لديه القدرة لتوليد 2.2 مليون وظيفة "للمواطنين" في الخمس سنوات القادمة (رغم شكوكي في ذلك)، الا أن ذلك مؤشر قوي على قدرة القطاع الخاص في التفاعل مع التحول الجديد اذا تمت مشاركته واطلاعه عليه، فدراسة مكينزي وضعت استثمارات القطاع الخاص كمحرك رئيس لعملية التحول القادمة، فقد حان بالفعل تفعيل دور القطاع الخاص في الاستثمار والتوظيف. ويحتاج القطاع الخاص الى سياسات حكومية تقوده الى ذلك حيث يجب أن تتسم تلك السياسات بالتدرج والوضوح في الأهداف والآليات حتى لا تصدر سياسات قد تنتج عن أثار سلبية لا تخدم الأهداف المرجوة.

باختصار، نتطلع لمستقبل أكثر اشراقاً حتى في ظل أسعار نفط منحفضة، فالموارد التي لم تستغل هائلة وأكبر مما يتصور ويتوقع الكثير.