واصل الأهلي ‏تعزيز رقمه القياسي في "دوري عبداللطيف جميل" للمحترفين، بعد الفوز الأخير على منافسه الهلال في الجولة ال ١١ من الدوري هذا الموسم، ب 44 مباراة متتالية من دون خسارة، إذ كانت آخر خسارة في الجولة ال18 موسم 2013-2014، وعجزت جميع الفرق عن إلحاق الخسارة به، على مدى موسمين متتاليين، عدا خروجه بركلات الترجيح الموسم الفائت أمام القادسية، في دور ال١٦ من بطولة كأس خادم الحرمين الشريفين.

الأهلي الذي كان قريبا جدا من الفوز ببطولة الدوري الموسم المنصرم، بعد انتصاره ذهابا وإيابا على بطل الدوري النصر، خذلته التعادلات في طريقه لمعانقة حلمه البعيد، بتحقيق لقب الدوري، وهو الحلم الممتد ل٣٤ عاما، ظل قريبا خلالها من المنافسة بعيدا عن ملامسة البطولة الأقوى، التي استعصت على "القلعة الخضراء" حتى الآن، والمتابع لمسيرته في الموسمين الماضيين، يدرك حقيقة وصول الفريق الكروي، لمرحلة من الجاهزية العالية، للوقوف على منصة التتويج، بطلا للدوري بعد سنين عجاف، عانى خلالها "الأخضر" من ألم الابتعاد عن أقوى بطولات الموسم المحلي، ولم تكن الأفضلية الفنية والإطاحة بمنافسيه الكبار وحدهما كافيين للفوز بلقب الدوري، وظل الحاجز النفسي الرهيب يطارد الأهلاويين، كالشبح الذي يخطف النقاط ويستنزف الفريق في مبارياته أمام فرق الوسط في الدوري، وحتى تلك الفرق أصحاب المراكز المتأخرة في سلم الترتيب تعثر أمامها خصوصا الموسم الماضي، وامتدت الحالة ذاتها إلى هذا الموسم، على الرغم من تصدره حتى الآن بفارق المواجهات المباشرة مع منافسه الهلال، في ظاهرة أقلقت الأهلاويين نحو المضي بعيدا في الدوري ومثلت حجر عثرة في طريقه لتحقيق اللقب المفقود.

في الأهلي رحل رؤساء النادي وتبدل المدربون وتغير اللاعبون وظل الكيان وحده ثابتا كعنوان محفز للاستقرار والانسجام، والسير بقلب واحد وروح واحدة، سرها يكمن في المجلس الشرفي المؤسسي، الذي حافظ على الأهلي الفريق، وجنبه خطورة التغييرات والهزات الإدارية والفنية والعناصرية المتتابعة، فكان الرجل الأول في النادي والعاشق الكبير الأمير خالد بن عبدالله يحتوي كل الأزمات الإدارية والفنية وحتى العناصرية، على الرغم من ابتعاده عن العمل الرسمي خصوصا في هذا الموسم، بعد تسليمه قيادة المجلس الشرفي للأمير طلال بن محمد الفيصل، إلا أن الاهتمام والرعاية الشرفية ظلت تسير بوتيرة واحدة متصاعدة، لبناء الأهلي الحديث.

يبرز في المشهد الأهلاوي الجميل في هذا الموسم والموسم الماضي، مدرب برتبة قائد فني هو السويسري كريستيان غروس، الذي لا يتحدث كثيرا خارج الملعب، ولكنه يجيد الحديث بحرفنة داخل الملعب، متسلحا بأدواته العناصرية المميزة، يرتق أي غياب مؤثر في أي مواجهة مؤثرة، ليظهر أحسن ماعنده من عطاء لاعبيه وتفانيهم، للقبض على الفرصة الفنية التي يمنحها الجهاز الفني، وإثبات الذات في تمثيل الفريق، بعد أن وفر غروس البيئة الملائمة للمنافسة الشريفة بين لاعبيه في المراكز كافة، فحتى بعد الغياب الطويل للحارس عبدالله المعيوف ثم استبعاده عن قائمة الفريق، ظهر الحارس القادم من بعيد ياسر المسيليم، ليحافظ على ثقة المرمى الأخضر من جديد، وفي أوقات حاسمة غاب عنها الهداف الكبير السوري عمر السومة، كان البديل المهاجم مهند عسيري في الموعد المناسب، يقول لمدربه ومحبي الأهلي: "أنا هنا أيضا أصنع لكم الفرق".

الاستقرار العناصري الذي يعيشه الأهلي في الموسمين الأخيرين، صنع شخصية ثابتة تقود الفريق في الاستحقاقات كافة، بكل ثقة وهيبة لاتهتز، وبات فريق النجوم، وليس فريق النجم الواحد، يغيب عنه من يغيب ويظل مرشحا فوق العادة، لحسم مبارياته حتى قبل أن تبدأ، هزيمته تستعصي على كل المنافسين، والتعادل أمامه أضحى انتصارا لخصومه، واستراحة محارب "أخضر" أرهقه الحضور القوي والتفكير العميق في معانقة الحلم الثلاثيني.

لاعبو الأهلي هم الحلقة الأهم في المنظومة "الخضراء"، يعون الآن أكثر من أي وقت مضى أنهم الجيل الذي تعول عليه الجماهير الأهلاوية في كسب التحدي مع النفس، والذهاب بعيدا نحو الاستقرار على منصة التتويج ببطولة الدوري للمرة الأولى منذ ٣٤ عام، حين كان يسمى "فرقة الرعب" ، والفرصة الآن تلوح أمام هذا الجيل لتكرار المجد السابق، وكتابة أسمائهم بأحرف من ذهب في سجلات التاريخ الكروي، وقبل ذلك في ذاكرة جماهيرهم الوفية التي مافتئت تقف خلف انتصارات فريقها، بكل حب ووفاء، تردد نشيد العودة المنتظرة، وتترقب غدا أجمل ترى فيه فريقها الكبير يتوشح بذهب الدوري قبل أي بطولة أخرى مهما كانت قوتها ومكانتها "وعبر الزمان سنمضي معا".

ما الذي ينقص الأهلي حتى يحقق لقب الدوري؟ سؤال كبير بحجم الأهلي يدور ويدور باستمرار في المشهد "الأخضر"، وبعد توفيق الله، فالفريق ينقصه فعلا كسر الحاجز النفسي أمام أندية الوسط والمراكز المتأخرة في ترتيب الدوري، لالتقاط نقاطها وعدم التعثر بالتعادل في محطاتها، فذلك في كل دوريات العالم من أساسيات البحث عن اللقب، إذ لا يكفي الإطاحة بالمنافسين الكبار، ثم التعثر في مباريات أقل مستوى وندية، كما يحتاج الفريق إلى تدعيمه بعنصرين فاعلين في الوسط، خلال الفترة الشتوية المقبلة، إذ إنه يسير الآن بنصف قوته في هذا الجانب، بتواجد السومة، والظهير الأيسر المصري محمد عبدالشافي، كما تتطلب المرحلة مواصلة الانسجام والعمل بروح واحدة، وقبل ذلك وذاك تواصل احترام المنافسين، والإيمان بأن الطامعين في اللقب متعددون، والبطل في النهاية واحد، وبطولة الدوري ذات نفس طويل ومزاج متقلب تحتاج فكرا متعمقا وخطوات متأنية، مع العمل الدؤوب داخل الملعب فقط، إذ إن تواصل اللعب خارجه من دون هدوء، ربما يدفع ثمنها الفريق غاليا في النهاية، وتتطول معها لأعوام الغياب والبعد عن الحلم الأهلاوي التليد.