لقد حاولت مع أصدقاء أعزاء أن يكتبوا أو يملوا شيئاً.. فقد كان لديهم الكثير مما يمكن أن يشكل قراءة في سيرة مجتمع ووطن وإنسان.. أو شهادة للتاريخ.. إلا أن دعوتي تلك تأتي دوماً في الوقت الضائع.. فلا أرى حماساً ولا رغبة.. فقد كانوا في هزيع العمر الأخير.. وشمسهم تؤذن بالمغيب

قبل 45 سنة، وتحديداً في مايو 1970، نشرت مجلة "الأديب" اللبنانية دراسة كتبها الأستاذ عبدالعزيز بن عبدالله الربيعي عن الشاعر العراقي أحمد الصافي النجفي، تحت عنوان "أحمد الصافي النجفي متنبي هذا العصر". كان لتلك الدراسة وقع خاص لا من حيث رفع مكانة الشاعر الصافي النجفي إلى منزلة أبي الطيب المتنبي، ولكن أيضاً تداولاً وقراءة وتعليقاً إلى الحد الذي يصفه الشاعر النجفي نفسه، في رسالة خاصة للأستاذ عبدالعزيز الربيعي بأنها "أثارت إعجاب الأدباء فبادروا إلى نقلها في صحفهم، فبعد أن نقلتها مجلة "العرفان"، ها هي مجلة "الجديد" اللبنانية تعيد نشرها وكان إعجابهم بها كقطعة أدبية ودراسة تحليلية خالصة لوجه الفن والأدب.."، وانه لم يتبق لديه منها إلا نسخة واحدة كان البعض يستنسخها حرصاً على قراءتها واقتنائها...

وبعد اطلاعي على مقالات أخرى في تلك المرحلة من مصورات مجلة الأديب، ظهر لي كيف يبدو الأستاذ الاديب عبدالعزيز الربيعي مشاركاً بفاعلية وحضور في مرحلة اتسمت بملامح مختلفة تجسد وله تطلعات جيل مختلف ومرحلة مختلفة وأحلام مختلفة.

فها هو الدكتور محمد رجب البيومي يكتب مقالاً مطولاً في "الأديب" في عدد يونيو 1973بعنوان "فتي المروءة" يريد به الأستاذ عبدالعزيز الربيعي، شهادة نبل ومروءة تجسدت في مواقف خبرها وعايشها للربيعي.. إلا انه لم يتنازل عن بعض رأيه في أبي الطيب المتنبي، وهو شاعر الربيعي الأول، الذي لا يرى في عالم الشعر العربي سواه..

بل ها هو يقتص من الأستاذ الربيعي ".. لكننا نقول للأستاذ عبدالعزيز يا أخي كيف جاز لك في أحاديثك أن تنكر مقارنة المتنبي بأبي العلاء وأبي تمام، والثلاثة قريب من قريب من قريب.. ثم تقول في حديثك عن النجفي إن شعره يقف بثقة أمام شعر أبي الطيب.. أنا لا أنكر أن الأستاذ أحمد الصافي النجفي شاعر كبير، وأنه فنان أصيل، وأن مقامه جهير في الشعر المعاصر! ولكني أنكر أن يقرنه عبدالعزيز بأبي الطيب ثم يرفض أن يجعل المتنبي مقارناً لأمثال أبي تمام وأبي العلاء والبحتري والشريف؟ أهي مروءة الأدب قد بسطت أريحيتها الواسعة على النجفي في ساعة صفاء حتى لفته مع المتنبي في دثار واحد..".

ولقد خبرت هذا الانحياز الجميل لشعراء العربية.. في مرحلة اتسمت بأشواق العروبة وعنفوان اللسان العربي وتمثُّل القامات.. فها هو الدكتور راشد المبارك رحمه الله، لا يرى أكثر شاعرية من "بدوي الجبل".. إنه شاعره المفضل.. وقد واجه تحفظاً شديداً عندما كتب دراسته "المتنبي ليس شاعراً".. والذي شهدته وحضرته وسمعته أنه كان يعلي منزلة المتنبي باعتباره الفيلسوف الشاعر وحكيم العرب الأكبر.. ولكنه لا يراه شاعراً قدر ما يراه فيلسوفاً صاغ رؤيته الثاقبة والعميقة للنفس البشرية شعراً لازال وسيظل الظاهرة الشعرية العربية الأبرز. لقد كان يراه حكمة ورؤية مخترقة.. أما صورا وشاعرية فيرى أن هناك من يملأ هذا المقام ويتفوق فيه.

أما الصديق العزيز الدكتور مصطفى الدغيثر - عافاه الله وشفاه - فمنه عرفت لأول مرة الشاعر محمود البريكان.. وأدركت بذائقته الحية تلك الصور المدهشة والشعاع المتجاوز للمرتهنين للقوالب التقليدية، عوضاً عن الغوص في عمق المعنى لاكتشاف أبعاد أخرى للداخل الإنساني المضطرب.

وها هو الأستاذ عبدالعزيز الربيعي المتطرف في عشقه لأبي الطيب، يشكل أيضاً نموذجاً لجيل مختلف مهما بعدت به اهتماماته وانشغالاته في شؤون الحياة.. فهو أيضاً شغوف مشدود لعالم الفكر والأدب.. بل انه في ستينيات القرن الماضي يدخر جزءاً من دخله القليل ليصل إلى القاهرة أو بيروت بحثاً عن الكتاب، واقتراباً من قامات الأدب والفكر في مرحلة اتسمت بالحلم العربي الكبير الذي تحول خلال عقود قليلة إلى هزائم فادحة على كافة المستويات.

من بين جيل الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي، ظهرت أيضاً قامات وطنية يشهد لها التاريخ القريب بالإنجاز والانحياز لوجه الوطن ولا لوجه سواه. وعلى ضعف مصادر المعرفة بأنواعها ظل شغف القراءة وتداول الكتاب والمجلة والجريدة جزءاً من حياتهم التي شكلت رؤيتهم للمعنى الذي عاشوا من أجله.. وإن توارى منهم كثيرون أو تخلوا تحت وابل إغراءات الحياة وانحسار الأمل وانكسار الحلم.

لم تتوارَ القامات في العالم العربي في منطقة دون سواها.. الهبوط شامل وعام، وانحسار القامات التي كانت، لا يعني أن أمة العرب لم تعد ولاّدة.. ولكنها تلد عندما يُحتفى بالمولود وترتقي ملامح نجابته باقترابه من قامات يتتلمذ عليها ويأخذ عنها ويعايش أفكارها.. حتى يشتد عوده لتؤتي السنابل أكلها..

هذا الانقطاع بين جيلين أو ثلاثة.. لم يضع المثقف أو المفكر أو الأديب في خانة العزلة والانحسار فقط.. بل حكم على شعوب بأكملها بمرحلة لا سمة لها سوى ملامح الانقراض.

يدخر عبدالعزيز الربيعي جزءاً من دخلة البسيط ليسافر للقاهرة، بحثاً عن كتاب أو لقاء أديب ولا يتأخر بحال عن لقاء صديقه عبدالله القصيمي على اختلاف في الرؤى وتباين في التوجه وخلاف لا يفسد بهجة اللقاء.. ويرحل منها لبيروت فقط ليلتقي بالشاعر الصافي النجفي.. حيث انعقدت بينهما صداقة لم يكن الأصل فيها سوى انجذابه لتلك الأيقونة النجفية، المليئة بالآلام والأحزان، الطافحة بالتشاؤم، المغموسة بالكآبة والتعاسة وبالحرمان والأسى والتشرد والشرود.. كما يقول عنه الربيعي في دراسته.

في دارته بالملز وجدت الأستاذ عبدالعزيز الربيعي، رغم العقود الثمانية التي يحملها على كتفيه، لم تعجزه عن استعادة ومضات تلك المرحلة بلغة وبريق وحضور جميل. تنهك الأيام الجسد.. إلا أن الحضور الذهني أسبغ على صوته الجهوري ولغته الحيوية الجميلة ألقاً من نوع آخر..

ما يحزنني، أن أولئك الذين يملكون ذاكرة مرحلة، بكل آثارها وتحولاتها، بكل قاماتها وحضورها، بكل تجاربها وترحلاتها.. لا يكتبون. ومن يحمل ذاكرة قصيرة يتجرأ على الكتابة ليخط بعض هوامش باسم ذكريات أو مسيرة حياة أو سيل سردي لا يرقى لمفهوم الرواية ومتطلباتها الفنية.

وإذ أدرك ان للعمر حسابات وللذاكرة حيزاً وإخفاقاً وتوهجات.. فإن من أصعب ما ترجوه اليوم أن تقنع أولئك بالكتابة أو إملاء تلك الصور التي ستغيب حتماً بغيابهم. وعندما تنطوي سنوات العمر.. تضعف الهمة، وتتراخى الذاكرة، ويتراجع البصر، وتسود حالة من الاستسلام لأيام تنصرم بلا روية.

ولقد حاولت مع أصدقاء أعزاء أن يكتبوا أو يملوا شيئاً.. فقد كان لديهم الكثير مما يمكن أن يشكل قراءة في سيرة مجتمع ووطن وإنسان.. أو شهادة للتاريخ.. إلا أن دعوتي تلك تأتي دوماً في الوقت الضائع.. فلا أرى حماساً ولا رغبة.. فقد كانوا في هزيع العمر الأخير.. وشمسهم تؤذن بالمغيب.. رحم الله من تقدم منهم ومن تأخر.

وفي هذه الأيام الحالكة أستعيد آخر ما قاله أحمد الصافي النجفي:

يا عودة للدار ما أقساها

أسمع بغداد ولا أراها

أما نحن فبغداد التي سمعناها طويلاً لم تعد بغداد التي نراها.. ودمشق التي خالها وطنا..

مررت جُلقَ مشتاقاً على عجل

فأعجبتني حتى خلتها وطنا

إني امرؤ عربي.. والعلا نسبي

في أي أرض أرى عرباً أرى وطنا

فهاهي اليوم مأساة تفوق الوصف.. أما بيروت التي عشقها الصافي النجفي وقضى فيها أربعة عقود من عمره.. فلم تبخل عليه في آخر أيامه فقد أهدته الرصاصة القاتلة.